من"تضامن" إلى الحرية

تم نشره في السبت 3 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

 على الرغم من النتائج السياسية الضخمة التي ترتبت على تأسيس حركة "تضامن" منذ خمسة وعشرين عاماً، كأول حركة مدنية مستقلة تنشأ داخل الإمبراطورية السوفيتية السابقة، إلا أن "تضامن" لم تكن في الأساس حركة سياسية أو حتى نقابة عمالية.

   كانت "تضامن" تشكل، أولاً وأخيراً، صرخة من أجل الكرامة. فقد كانت قدرتنا على الصبر والاحتمال آنذاك قد بلغت منتهاها، ولم نعد نطيق وجود أتباع الحزب الشيوعي الذين لم يكن لسلطانهم وسطوتهم حدود، والذين كان الحكم لهم في أماكن علمنا وفي أحيائنا السكنية، وحتى في أماكن الراحة. ولم يعد بوسع الكتاب والصحافيين والفنانين أن يتحملوا الرقابة القاسية، والإشراف القمعي. وفي المصانع أيضاً، كان الموظفون البيروقراطيون من أتباع الحزب يريدون أن يعرفوا كل شيء، وأن يتولوا اتخاذ القرار فيما يتصل بأي شيء.

    وكانت أي مبادرة مدنية، وكل الأنشطة من أي نوع، تخضع للتقييم الأيديولوجي والرقابة. وكانت الشرطة السرية "تتعامل" مع كل من تسول له نفسه العصيان أو التمرد.

     في الشتاء الماضي سمعت صرخة مماثلة من أجل الكرامة في أوكرانيا. فقد احتشد مئات الألوف من الناس في شوارع كييف المتجمدة، وخيموا تحت البرد والثلج من أجل المطالبة بكرامتهم. والحقيقة أنني اقتنعت من خلال التجربتين البولندية والأوكرانية أن إرادة الحياة بكرامة تشكل المحرك الأقوى الذي يدفع الإنسان إلى العمل، وإنه لمحرك قادر على التغلب على أشد المخاوف وأعظمها.لكن الرغبة في الحياة بكرامة لا تكفي لتأمين تلك الغاية، فالأمر يحتاج إلى أمر آخر علاوة على تلك الرغبة.

   كانت "تضامن" حركة اجتماعية. وهذا يعني أن "تضامن" -التي كانت في الظاهر نقابة عمالية- قد أصبحت بمثابة المأوى والملاذ للناس من الطوائف والطبقات الاجتماعية كافة في بولندا، من عمال ومفكرين ومهندسين وفنانين وأطباء ومرضى. وكان بعض الناس آنذاك يناقشون بحماسة وانفعال قضية الإصلاح الاقتصادي، وكان آخرون يتحدثون عن تنمية الثقافة، بينما انكب آخرون على وضع الخطط لإصلاح التعليم والمؤسسة العلمية أو تأمين الدفاع عن البيئة وحمايتها. لقد عملت "تضامن" على خلق حيز للحوار العام اتسع لكل هذه المناقشات، بينما حرصت على حمايتنا جميعاً من بطش الحزب.

     إلا أن "تضامن" كانت تمثل كياناً أكبر مـن كل مـا سبق. فهـي النسخة البولندية من الـ "آجورا" في اليونان القديمة، والتي كانت عبارة عن مكان يجتمع فيه المواطنون كافة، ومحلا للحوار الحر بشأن المستقبل المشترك للناس، والمستقبل الفردي لكل منهم، ومكانا لطرح أنواع المشاكلات كافة وإيجاد الحلول لها. في ذلك الوقت، لم نكن قد حصلنا بعد على دولة حرة، لكننا كنا نمتلك ما هو أكثر أهمية من ذلك: ألا وهو ذلك المجتمع المدني الحر القادر على الانخراط في مناقشات بشأن الأحوال والظروف المشتركة لأفراده.

     بلغ عدد الأعضاء الذين ضمهم مجتمع "تضامن" حوالي عشرة ملايين؛ عشرة ملايين من المواطنين الحقيقيين. لكن حتى ذلك لم يكن كافياً لإحراز النصر النهائي على الحزب، وعلى جهاز الشرطة التابع للدولة.

     لقد كانت "تضامن" مؤسسة شاملة؛ كانت مؤسسة فريدة، نظراً للظروف التي كنا نعيش في ظلها آنذاك. والحقيقة أننا مدينون بانتصارنا النهائي للهيئة المؤسسية الخاصة لحركة "تضامن". فبين الهيكل التنظيمي للحركة وذاك الخاص بالتنظيمات الرسمية للدولة والحزب، كنا نجد ما نستطيع أن نطلق عليه "فجوة بين الحضارات". وفي مواجهة البنية الاستبدادية الهرمية للنظام الحاكم، عملنا على إقامة مؤسسة غير مركزية، هي عبارة عن كيان ضخم يناضل من أجل التوصل إلى الإجماع بشأن الأهداف وسبل الحركة التي ينبغي أن نسلكها من أجل تحقيق تلك الأهداف. لقد كانت مؤسسة ملتزمة باحترام الكيانات الفردية والكيانات المؤسسية الأخرى.

    قد لا يشكل إنشاء مؤسسة كهذه حدثاً غير عادي أو استثنائي في المجتمعات الديمقراطية القديمة؛ لكن في بيئتنا الاستبدادية، كان ذلك الحدث جديداً إلى حد مذهل. ولم يكن إلا لبنية مؤسسية جديدة كهذه أن تستجيب بفعالية لتلك الصرخة العميقة من أجل الكرامة.

    ولكن تُرى ماذا تبقى من كل هذا اليوم؟ مما لا شك فيه أن "تضامن" قد أحرزت نجاحاً سياسياً مذهلاً؛ فقد أصبحت بولندا بلداً حراً، وعضواً في منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، بينما تحول الاتحاد السوفييتي إلى مداد على صفحات التاريخ.

     لكن التاريخ الحديث لم يكن كريماً مع الظافرين. فقد تلاشى قادة الثورات الديمقراطية في أوروبا الشرقية في البيئة الجديدة بسرعة، وذلك لأن الانتخابات الديمقراطية قد جلبت ساسة من نوع جديد، يتسمون بالذكاء والاطلاع، وهم في كثير من الأحوال من بين أولئك الذين كانوا جزءاً من النظام القديم.

      بل ومما يثير الدهشة، أن بعض آمالنا في نظام اجتماعي جديد قد اصطدمت هي الأخرى بصخور القواعد الجديدة للعبة. والحقيقة أن المؤسسات الديمقراطية في بولندا تعمل على نحو طيب، على الرغم مما يعتريها من أسباب الخلل والنقص. كما كان النمو الاقتصادي مبهراً في الآونة الأخيرة، وأصبحت الحياة أفضل بلا أدنى شك.

      لكن نبض حياة المجتمع المدني، والشعور بالهدف المشترك، والمظاهر الشاملة للتضامن الاجتماعي التي ناضل اتحادنا من أجل تحقيقها آنذاك، كل ذلك قد ولى، أو أصبح خافتاً باهتاً إلى حد بعيد. لقد أصبحت "تضامن" عبارة عن صَدَفة أو قشرة خارجية لكيانها السابق، بل لقد تحولت إلى حركة من المشايعين والعمال من جناح اليمين الذين صدمهم الواقع الاقتصادي الجديد.

     والأمر الأكثر خطورة من كل ما سبق، أن الشخصية الوحدوية لحركة "تضامن" قد ذبلت، فأفسحت الطريق أمام الانقسامات الاجتماعية، وبات قسم كبير من الشعب البولندي غريباً عن السياسة، بل وحتى المشاركة المدنية.

      أهذه هي سمات الحالة السوية في كل الأحوال؟ هل تؤدي أوقات النضال العصيبة إلى استسلام المناضلين في النهاية إلى حالة من الخواء والفراغ بعد تجرع كأس النصر؟ هل أنا مجرد محارب قديم متلهف أخذه الحنين وتملكت منه ذكريات أيام النضال البعيدة؟

      ربما! لكنني لست ممن يأخذهم الحنين إلى الماضي والذكريات. وأنا أدرك تمام الإدراك أننا قطعنا شوطاً بعيداً، ولا أريد العودة إلى الوراء. ولكن أهو قدر محتوم لا فكاك منه أن تفتقر "تضامن" إلى قدر كبير من التضامن الذي كان محركاً لها ذات يوم؟

     زبيجنيو بوجاك زعيم حركة "تضامن" السابق في إقليم مازوزي (وسط بولندا، بما في ذلك وارسو)، وبطل المقاومة السرية أثناء فترة فرض الأحكام العرفية في ثمانينيات القرن العشرين، وكان نائباً في البرلمان البولندي في الفترة ما بين العام 1989 والعام 1997.

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

ترجمة: أمين علي

التعليق