إبراهيم غرايبة

العلاقة بين الحكومة والإعلاميين

تم نشره في الأربعاء 31 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

    يؤكد مروان المعشر، نائب رئيس الوزراء، أن الحكومة فكت علاقة "السبع وابن آوى" بينها وبين الإعلاميين، من صحافيين محليين ومراسلين للصحف والفضائيات والوكالات الإعلامية وكتاب صحافيين، محليين وخارجيين.

    ويفترض، تبعا لذلك، أن تعتمد الحكومة على "المركز الأردني للإعلام" كمؤسسة مهنية متخصصة، توفر المعلومات والبيانات، وتساعد الحكومة في توضيح مواقفها وتفسيرها.

    ويفترض أيضا أن نشهد في الساحة الإعلامية مرحلة يصفها المعشر بأنها انتقالية، تتحرر فيها وسائل الإعلام من التدخل والتأثير الحكومي، لتدخل السوق المحلية والإقليمية والعالمية باعتبارها مؤسسات تجارية واستثمارية، تقدم "الخدمة الإعلامية" على أساس المنافسة في الجودة والقدرة على اجتذاب المستهلك.

    وإذا حدث هذا المسار المفترض بالفعل، فإن الساحة الإعلامية والسياسية ستشهد إعادة صياغة، قد تقترب من الانعطاف بأكثر من تسعين درجة. فعلى مدى العقود الماضية، خضعت وسائل الإعلام في سياساتها واختيار العاملين فيها لقواعد واعتبارات سياسية، تحولت مع الزمن إلى شخصية وشللية، ولم يعد للمهنة دور يذكر في الاختيار والعمل والتنافس والإنتاج الإعلامي، وهذا يفسر لماذا انهارت الدراما الأردنية، وعدم ظهور كتاب وصحافيين مؤثرين ولامعين، محليا وإقليميا، ثم انحسار وسائل الإعلام نفسها وتحولها إلى كيان مهجور تجاوزته الفضائيات والإنترنت.

    ولم تعد الحكومة نفسها، برغم الإنفاق الهائل والسيطرة التامة على الإعلام، قادرة على تفسير مواقفها ورؤاها واكتساب الرأي العام ومخاطبة العالم، بل أصبح الإعلامي غير الأردني يملك حظوة وسطوة، وفرصا أفضل بكثير من زميله الأردني.

    ولكن الحكومة، وقد فكت ارتباطها بوسائل الإعلام، فإنها تركتها عاجزة وتائهة؛ إذ ماذا يحدث لفريق من الكتاب والصحافيين، ولمراسلين جاءت بهم قرارات ووساطات بلا قدرة على الكتابة والحديث أو خبرة مهنية؟ كيف ستحدد وسائل الإعلام سياساتها ومواقفها وهي لم تكن تتخذ من قبل مثل هذا القرار، ولا تعلم إلى أين تتجه، ولا ممن تتلقى، ولا من تستشير؟

    وبعيدا عن الحكومة، فلم يكن القطاع غير الحكومي الإعلامي بعيدا عن الاعتقاد بأن أي شخص يمكن أن يكون إعلاميا، ولولا التحولات السياسية المفاجئة وسعيدة الحظ بالنسبة لأحد الزملاء الذي يعمل مراسلا لفضائية مهمة جدا لكانت قد جاءت مكانه مدربة سباحة، لم يسبق لها أن كتبت شيئا، ولا تعاملت مع ميكروفون، ولا شاركت حتى في مجلة حائط المدرسة! وهذا ليس مثالا وحيدا ولا نادرا، بل العكس هو النادر!

    الخيارات القاسية التي ستجد الحكومة والمؤسسات الإعلامية نفسها فيها ليست اختيارية، فحتى تكون الحكومة قادرة على العمل في مرحلة من الإعلام المعولم، والذي تهيمن عليه الفضائيات والإنترنت ولم تعد الحكومات قادرة على التحكم به، فإن أشباه الأميين الذين حُشدوا في الوظائف الإعلامية الرسمية وغير الرسمية سيتحولون إلى عبء عليها.

والمؤسسات الإعلامية المحلية التي ستنافسها زميلاتها العربية والأجنبية على جمهورها، ستواجه مرحلة جديدة. ولم يعد صحيحا الاعتقاد بأن أي شيء يمكن بثه أو كتابته وفرضه على الناس، بل إنها قد تواجه احتمال الفناء والانحسار إذا لم تقدم خدمة يقبلها الجمهور ويفضلها على ما تقدمه المؤسسات الأخرى.

    لقد أضرت الحكومة بنفسها وبالإعلام عندما ظلت تدير السياسات الإعلامية، معتقدة أن الناس لا يقرأون ولا يكتبون، ولم تكتشف أن نسبة التعليم الجامعي في الأردن هي من أعلى النسب في العالم إن لم تكن أعلاها، وأدارت ظهرها لحقائق ومعطيات مرحلة المعلوماتية والاتصال التي اجتاحت العالم كله.

    واليوم، وبعد سنوات عشر على الأقل من انتشار موجة الفضائيات والإنترنت والموبايل في الأردن، تلاشت فيها الدراما وانحسر التلفزيون حتى أصبح بحاجة لتسويق نفسه في الإعلانات الصحافية، وفقدت الصحافة قدرتها على الخدمة، وأصبحت الأعمدة الصحافية مثل النشرة الجوية وحركة الطائرات القادمة والمغادرة، ولم تعد برامج العلاقات العامة السياسية والإعلامية تفيد شيئا، فإننا حكومة ومجتمعات نواجه حقيقة أننا خسرنا كل شيء، وباتت هيئة السينما مضطرة لتنظيم مسيرة لتطوير صناعة السينما في بلدنا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق