ياسر أبو هلالة

ترهيب جبهة العمل الإسلامي

تم نشره في الأحد 28 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

الأميركيون لم يكونوا بانتظار بيان جبهة العمل الإسلامي حتى يكتشفوا أنهم مكروهون في الشارع الأردني. وفي الوقت ذاته، لم تهدأ نفوسهم بعد أن انبرى ثلة من الكتاب الفدائيين البواسل للتصدي لبيان الجبهة. فأميركا لا تزال أقوى دولة عرفها تاريخ البشر، لا تهزها بيانات ولا تحميها مقالات.

مراكز البحث في أميركا والعالم أجرت عشرات، إن لم يكن مئات الاستطلاعات منذ أحداث الحادي عشر من أيلول لتجيب عن سؤال: "لماذا يكرهوننا؟"، ولا تزال قائمة أسباب الكره في ازدياد، مع كل يوم تواصل فيه أميركا احتلال العراق وأفغانستان، وتدعم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وتتواطأ مع الأنظمة الفاسدة القمعية.

جبهة العمل الإسلامي مارست دورها بوصفها حزب معارضة، له موقف معاد من سياسات الولايات المتحدة. والأميركيون يعرفون موقف الحزب، ومجمل الأحزاب الإسلامية والقومية في المنطقة، قبل صواريخ العقبة وبعدها، ولم يكن لدى الأميركيين مانع من أن تنظم أحزاب المعارضة مسيرة ترفع لافتات تطالب بقطع زيارة المارينز لميناء العقبة؛ فمشكلة الأميركيين مع من يطلق الرصاص والصواريخ، لا مع من يطلق الكلام والشعارات.

لقد تبين بعد ظهور نتائج التحقيق أن المنفذين لم يكونوا أردنيين، ولم يتلقوا تسهيلات من الشارع الأردني الذي لا تعجبه سياسات أميركا، وإنما جاؤوا بصواريخهم من بلد تحتله أميركا بمائة وخمسين ألف جندي، وعادوا إليه قبيل أن تنطلق، وهو ما يشير إلى أن "القاعدة" لا تمتلك جذورا راسخة في الأردن، لا لأسباب أمنية فقط، وإنما لشيوع مناخات معقولة من الديمقراطية، سمحت بنمو تيار إسلامي معتدل.

لنفترض أن جبهة العمل الإسلامي أذعنت لترهيب الثلة الفدائية، وأصدرت بيانا اعتذرت فيه عن استنكارها لزيارة البارجة، وطالبت بنقل القواعد الأميركية من ألمانيا إلى الأردن، وشارك متطوعون منها كدروع بشرية لحماية القوات الأميركية في العراق... هل سيخفف ذلك من منسوب العداء لأميركا أم سيزيده؟ المسألة اكبر من الأردن، وأكبر من جبهة العمل الإسلامي. إذ ستوصم جبهة العمل الإسلامي، إن تبنت خطاب الثلة آنفة الذكر، بشتى تهم العمالة لأميركا والغرب.

على من هم أميركيون أكثر من أميركا أن يتذكروا أن الشارع التركي، الذي كانت نسبة معارضي الحرب فيه تزيد على التسعين في المئة، لم يقم بقصف قاعدة إنجيرلك بالصواريخ -وهي قاعدة لدولة عضو في الناتو وليست بارجة زائرة- لكن في المقابل، شاهدت بعيني إحراق دمى بوش والأعلام الأميركية في شوارع أنقرة واسطنبول.

يومها رفض مجلس النواب التركي، بفارق ستة أصوات، بروتوكول التعاون العسكري مع أميركا، على ما فيه من مكاسب مالية وعسكرية واستراتيجية، ولم تشارك تركيا في الحرب، ولم يدخل الأميركيون شمال العراق من تركيا. ومع ذلك، لم يعلن بوش الحرب على إردوغان وحزب التقدم والعدالة ذي الجذور الإسلامية، بل تعامل مع تركيا باعتبارها حليفا ديمقراطيا لا حليفا مستبدا  مثل أوزبكستان! وقد أخبرني صحافي رافق الرئيس الأميركي على الطائرة بعد القرار التركي، أن الرئيس عندما سئل عن رأيه أجاب: أنه، وهو رئيس أميركا، نصف الشعب ضده، فكيف ببلد إسلامي!

الثلة الأميركية عليها أن تدرك أن الأميركيين خسروا مليارات في العراق، والأهم خسروا دماء شبابهم، لأن وكيلا عراقيا لأميركا أقنعهم أن الشعب العراقي مغرم بهم، وسيستقبلهم بالورود! وقد تمكن ذلك الوكيل من إقناع رامسفيلد بأن الـ"سي آي إيه" تضلل الإدراة، وأن أحدا لن يتصدى للأميركيين في العراق! ولم يسمع أحد لعسكري مخضرم مثل كولن باول... استمع الرئيس لأسباب كثيرة ممن يُسمعون أميركا ما يسرها.. وكانت الكارثة!

باختصار، أميركا بحاجة إلى خصم مثل جبهة العمل الإسلامي، وليست بحاجة إلى وكلاء على النمط السابق، الذي غدا مدرسة لها مريدون خارج حدود العراق. ومن له أصدقاء مثل أولئك ليس بحاجة إلى أعداء.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »well done (ammar)

    الأحد 28 آب / أغسطس 2005.
    well done yaser