أيمن الصفدي

تهميش دور الأمم المتحدة

تم نشره في السبت 27 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

أحيت الامم المتحدة قبل ايام الذكرى السنوية الثانية لمقتل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة سيرجيو ديمللو وعدد من زملائه بينهم الصحافية الأردنية رهام الفرا في هجوم ارهابي استهدف مقر بعثة المنظمة الدولية في بغداد.

وشكلت الذكرى محطة لتقويم اداء فريق الأمم المتحدة في العراق من قبل عديد صحف ومحطات تلفزيونية استنتج البعض منها ان دور الأمم المتحدة في العراق هامشي.

وهذا استنتاج في ظاهره صحيح. لكن التركيز على هذا الاستنتاج دون البحث في الأسباب التي ادت الى حصر دور الأمم المتحدة في مساحة ضيقة من العمل والتأثير اغفال لجانب مهم من الحقيقة.

فدور الأمم المتحدة في العراق محدود لأن الولاية التي منحها اياها مجلس الأمن الدولي محدودة. ولا تستطيع بعثتها في بغداد العمل خارج هذه الولاية.

وعلى عكس المهمات التي أُنيطت ببعثات الأمم المتحدة في مناطق مثل تيمور الشرقية حيث اعطيت المنظمة الدولية مسؤولية وصلاحيات ادارة عملية بناء الدولة، يجد فريق الأمم المتحدة في بغداد نفسه محاصراً بين مطرقة الحدود التي فُرِض عليه العمل داخلها وسندان الوجود الأميركي الذي لا يسمح لأيٍّ كان بالعمل خارج شروطه.

ففي الوقت الذي اعتمدت فيه بعثة الأمم المتحدة في العراق على القوة المتعددة الجنسيات، التي تقودها الولايات المتحدة، حتى في حركتها وتنقلاتها داخل العراق وإليه، مارست واشنطن ضغوطاً كبيرة على الأمانة العامة في نيويورك للحؤول دون الخروج بقرارات وتصريحات تنتقد الأداء الأميركي او اتباع سياسات واجراءات لا تقرها واشنطن. فقرار مجلس الأمن الدولي الذي أُسّست تنفيذاً له بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق حصر دور البعثة في المساعدة في إعادة البناء وتقديم الدعم الفني للعملية السياسية والعمل على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء.

لكن إعادة البناء تتطلب أمناً وهو غير موجود، وبالتالي فإن تحقيق التقدم المطلوب فيه غير ممكن. والمساعدة الفنية في العملية السياسية قدمتها بعثة الأمم المتحدة. لكن القرار السياسي بقي خارج حدود قدرتها على التأثير. وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء تعريف فضفاض ولا يعطي البعثة او ممثليها سلطة التدخل في مجريات الشأن السياسي.

وعندما حاولت الأمم المتحدة اتخاذ مواقف حول بعض مآلات الأمور في العراق، وجدت نفسها في مواجهة رفضٍ وغضب أميركي، كما كانت الحال عندما بعث كوفي عنان رسالة سرية الى واشنطن ولندن وبغداد ينتقد فيها العمليات العسكرية في الفلوجة آنذاك.

ولا شك ان الضغط السياسي على الأمين العام جراء بدء التحقيقات في اداء المنظمة الدولية إبان تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء أسهم أيضاً في كبح رغبة الأمم المتحدة او قدرتها على المطالبة بدور أكثر استقلالية وحرية في العراق.

عملتُ لعدة أشهر في العراق مع الزملاء في بعثتها هناك. وشاهدت الجهد الذي يبذله ممثل الأمين العام أشرف قاضي وزملاؤه من أجل مساعدة العراق في الخروج من المستنقع الذي اوصلته اليه سياسات واشنطن.

غير أني أُحبطت كغيري لصغر الدور الذي استطعنا القيام به، لا لانعدام الرغبة ولكن لانعدام مساحة العمل الكافية، في منطقة لن تقبل الولايات المتحدة ان يشاركها احد صلاحيات تحديد مسارها.

لم يكن دور الأمم المتحدة في العراق هامشياً لأن بعثتها هناك لا تريد أن تعمل. هامشية الأداء سببها محدودية الصلاحيات التي مُنحت لها. وهذا أمر يتحمل الأمين العام للأمم المتحدة مسؤولية توضيحه للملأ. فولايته توشك على الانتهاء، وما قاله متردداً، او على وجبات حول الحرب على العراق، يجب ان يقوله بوضوح وصراحة مطلقة في وثيقة رسمية تضع النقاط على الحروف حول جميع مفاصل الملف العراقي. هذا واجب يفرضه الولاء للأمم المتحدة ولموظفيها الذين يخاطرون بحياتهم في بغداد.

التعليق