هل تستمر ثورة رامسفيلد؟

تم نشره في الأربعاء 24 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

وصلت سياسات الدفاع الأميركية إلى مفترق طرق. لقد طلب مجلس الكونغرس الأميركي، منذ العام 1997، من مجلس الدفاع أن يقدم تقريراً لمراجعة سياسات الدفاع كل أربع سنوات. وفي الوقت الحالي، فإن مجلس الدفاع منهمك في بناء التقرير الثالث من هذا النوع، في سبيل إشهاره في آخر هذه السنة، ومن المتوقع أن يجمع هذا التقرير في جنباته الكثير من التوضيحات.

نشر تقرير الدفاع الأخير في العام 2001 بعد أسابيع قليلة من هجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية، ولم ينتج عن هذا التقرير إلا تلميحات عن استراتيجية قادمة مضادة للإرهاب. وعلى العكس من ذلك، فسيمثل تقرير العام 2005 العديد من سنوات التفكير التي صرفتها إدارة بوش، وبالتالي سيخدم كدلالة أساسية عن الخط المستقبلي الذي ستسلكه سياسات الدفاع الأميركية.

لم تطرأ أية تغييرات جذرية على الخطوط العريضة التي بنيت عليها أسس استراتيجية الدفاع الأميركية منذ العام 2002. وقد دعت هذه الاستراتيجية، في سعيها لمحاربة الإرهاب، إلى تقوية شبكات الشركاء العالميين في سبيل استئصال الإرهاب العالمي، وإلى تفعيل العمل المباشر المضاد للمنظمات الإرهابية ورعاتها.

نهاية، سيخاطب التقرير ما يعتبره الرئيس بوش الجذور المسببة للإرهاب، وعلى وجه التخصيص غياب الفرص الاقتصادية والأنظمة السياسية المنفتحة.

يتمحور التغيير الأساسي الذي طرأ على هذه الاستراتيجية في طريقة استعمال القوة العسكرية الأميركية المستخدمة لتطبيقها. لا يوجد شك في أن تقرير الـ2005 سوف يرسم الخطوط الرئيسة للتغيير الحاصل في التركيز منذ أحداث 11 أيلول العام 2001. إذ ركز الجيش الأميركي قبل ذلك الوقت على الانتصارات السريعة التي يحققها في المسرح الحربي ضد جيوش دول أخرى. أما في يومنا هذا، وعلى أغلب احتمال، فإن الجيش الأميركي سيستخدم في إعادة استقرار وبناء الدول المنهارة، وفي مساعدة شركاء الدولة الأميركية في محاربة الإرهاب والتمرد، وفي التحكم بالأسلحة النووية في حال انهيار الأنظمة، أو في التدخل المباشر لاستئصال المنظمات الإرهابية ومن يرعاها، الأمر الذي يتطلب استخدام نوع مختلف من القوة؛ قوة قادرة على خوض ماراثون بدلاً من القفزات سريعة، قوة تسمح بإطالة أمد انتشار الجبهات العسكرية الموزعة في الخارج.

علاوة على ذلك، وفي سبيل الإبقاء على معظم القوات داخل الوطن، طرأت تغييرات على أماكن انتشار القوات الأميركية بطريقة تمكن من نشر شبكة من القواعد العسكرية قليلة الجند في الخارج، بحيث تكون هذه القواعد جبهات عمليات متقدمة خلال الأزمات أو الحروب. سوف يتم تشغيل هذه القواعد بالتعاون مع، أو من قبل الدولة المضيفة بدلاً من اعتبارها "أميركات مصغرة" منتشرة؛ الأمر الذي يساهم في تعزيز قدرة أميركا على إبراز قوتها العسكرية بشكل سريع حول العالم، وبطريقة أكثر مرونة واستساغة من وجهة النظر السياسية.

هناك تساؤلات استراتيجية أساسية عالقة تطرح نفسها، بغض النظر عن التغيرات الحاصلة، وتتمحور حول ما يلي:

أولاً: ما هو الحجم المعياري للقوة الحربية المقاتلة الذي يجب أن تحتفظ به القوة العسكرية الأميركية؟  إذ يتمحور الهدف في الاحتفاظ بحجم قوة كافية لردع المعتدين، ولكن ليس بقدر يقلل من أهمية المهمات المحتملة الأخرى.

ثانياً: كيف سيكون شكل العلاقة بين أميركا وحلفائها التقليديين؟ هل ستبقى التحالفات الرسمية، مثل الناتو، محط تركيز الاستراتيجية الأميركية، أم ستحل محل هذه التحالفات، تحالفاتٍ أخرى خاصة بمهام محددة؟

ثالثاً: إلى متى يجب أن تستمر الولايات المتحدة في الاستثمار في أسلحة متطورة عالية التقنية، والتي تصلح لمحاربة الأعداء التقليديين أكثر من محاربة الإرهابيين والمتمردين؟ إذ تعتبر أنظمة مثل نظام F/A-22 "الطيور الكواسر للطيران" و"أنظمة الجيش المستقبلية للاشتباك في أرض المعركة" مكلفة جداً، في نفس الوقت الذي تستنزف فيه ميزانية الدفاع من قبل القوات العسكرية المنتشرة في العراق وأفغانستان، وفي وقت تدعو الحاجة فيه إلى إصلاح أو استبدال العديد من المعدات العسكرية المستخدمة حالياً، الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل حول جدوى الاستثمار في هذه البرامج؟

رابعاً: ما هو حجم القوة العسكرية الأميركية الأمثل؟ إذ يعتقد العديد من مفكري الدفاع والقادة العسكريين السابقين والسياسيين أن حجم القوة العسكرية الأميركية -وخصوصاً القوات البرية- قليل جداً، وغير قادر على تنفيذ استراتيجية بوش الضخمة.

من ناحية أخرى، يعتقد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أن حجم القوة العسكرية كاف إذا ما تمت إعادة تنظيمها بطريقة تحقق الكفاءة العظمى. وهو ينظر بعين القلق إلى استنفاد الموارد المخصصة لرفع السوية التقنية لأنظمة الدفاع في حال زيادة حجم الجيش. وبما أن رامسفيلد هو المهندس الرئيس للتقرير القادم، فإنه من المستبعد بمكان أن يوصي هذا التقرير بزيادة حجم الجيش.

تعكس التغيرات التي تطرأ على سياسة الدفاع الأميركية فرضيات التخطيط. وستتناسب قوة الاستراتيجية التي سوف تنبثق عنها طرداً مع دقة هذه الفرضيات.

سيوصي تقرير الدفاع القادم بتغييرات في سياسة الدفاع الأميركية، اعتماداً على أحداث جرت خلال السنوات الخمس الماضية في العراق وأفغانستان، وفصول أخرى من الحرب على الإرهاب.

نسأل هنا: هل ستكون مهمات الجيش الأميركي المستقبلية تكرارا لسابقاتها في السنوات الخمس الماضية؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن الجيش الأميركي سوف يكون في حالة استعداد للحرب الماضية بدلاً من الآتية.

إننا نرجو بأن يخاطب تقرير دفاع العام 2005 هذه المواضيع، على الرغم انه من المؤكد أن تتم الإجابة عن بعض الأسئلة الاستراتيجية، وأن يترك بعضها الآخر مفتوحاً للنقاش. وفي كل الحالات، سوف يوفر التقرير الجديد خارطة الطريق لسياسات الدفاع الأميركية المستقبلية، وبالتالي سيؤثر على شركاء أميركا وخصومها على حد سواء.

ستيفن ميتز، هو بروفيسور الأبحاث ورئيس قسم الاستراتيجيات الإقليمية والتخطيط في الكلية الحربية الأمريكية-معهد الدراسات الاستراتيجية.

خاص بـ"الغد". الحقوق محفوظة لـ Project Syndicate 2005

التعليق