إبراهيم غرايبة

عودة إلى الصورة.. تقدم إلى الفكرة

تم نشره في الأربعاء 24 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

 تبدو موجة المعلوماتية والاتصالات تسير بالإعلام والسياسة والثقافة والحياة بعامة في اتجاهين متسارعين؛ الصورة بهيمنتها الأسطورية وإغرائها وتأثيرها المبهر، وعلى نحو فيه كثير من الإغراق والإسراف. إذ يتدفق عبر الفضائيات والإنترنت والموبايلات والإعلانات طوفان من الصور والمؤثرات البصرية، كأنما تعود بالمجتمعات والناس إلى مرحلة سابقة قبل قرون طويلة، عندما كانت الصور والتماثيل تجسد الآلهة والوحي والخلود، وترمز إلى التواصل مع الكون والحياة وأسرارها. وكأن الحكمة الإلهية والكونية حلت في الصورة، وما يحتاجه الناس هو التوجه إليها في المعابد والبيوت والجبال والكهوف لأجل الفهم والنصر والتحرر من ثقل الجسد والواقع وقوانين الجاذبية والفضاء.

    كانت الصورة حيلة للخلود، يتمكن بها الإنسان الفاني من تحدي الآلهة التي استطاع أحيانا أن يثير غيرتها، فتبعث الحياة في صورته التي صنعها. وكانت أيضا تحمل أسرار التواصل مع الآلهة والأسرار والحكمة.

    ثمة اتجاه في الفتوى الدينية الإسلامية لتحريم الصورة، سواء كانت تمثالا مجسما أو رسما باليد أو بالتصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، أو تحريم بعضها. وبعيدا عن مناقشة الفتوى، منهجيا وعمليا، فإنها تعبر عن إدراك على نحو ما لفلسفة في الحياة والصراع تعتقد بها الحكومات وهيئات الإعلان والتسويق والاستثمار والترفيه، وهي أن الصورة تقدم الواقع أو تزينه أو تشوهه، ولكن يمكن تطوير المقولة إلى إستراتيجية أخرى، وهي أن ثمة صورة مطلوبة ومرغوبا فيها، وهنا يجب أن يغير الواقع أو يعرض، على الأقل، في نحو يجعله متطابقا مع الصورة المرغوبة أو قريبا منها.

    ويجري التأكيد على هذه الصورة باعتبارها الواقع، حتى يرى العالم رغبا أو رهبا أو اعتقادا -صنعه الإغراق الإعلامي- الواقع كذلك. وفي السياق نفسه، يجري إغفال كثير من الحقائق والوقائع ونسيانها والتأكيد على هذا النسيان، حتى يكون تصوير الواقع أمرا صعبا، أو شيئا عزيز المنال، ويكون متاحا في الوقت نفسه سيل دافق، كالطوفان، من المعلومات والأخبار والصور والأفلام والمسلسلات والندوات والمؤتمرات والدراسات العلمية والمقابلات والمجلات والصحف ومواقع الإنترنت، التي تجعل الواقع يبدو مطابقا للصورة المطلوبة، ويصبح من يعرف الحقيقة أو يؤمن بها منبوذا، ويبدو كالمجنون، ولا يجد سبيلا سوى الصمت أو الموافقة والمشاركة في المهرجان.

    الإنسان بدأ بالتعبير عن اللغة بالصورة، ثم تحول إلى الكتابة الرمزية، فالترميز أقدر على استيعاب الحكمة والخبرة التي تحل في اللغة. وكان الكمبيوتر خطوة أخرى مضاهية للمجهود الإنساني في التحول من الصورة إلى الفكرة، أو التعبير عن الفكرة بالرموز والومضات الضوئية، لتتحول الأفكار والمعلومات إلى إلكترونات وفوتونات تبث في الفضاء، ويعاد التقاطها مرة أخرى وتحويلها إلى معرفة.

    وقد تتحول الأشياء المادية إلى موجات فضائية تسبح في السماء وشبكات الإنترنت والاتصالات. ونشرت وسائل الإعلام مؤخرا أنه قد يكون متاحا نقل الروائح عبر الإنترنت والفضاء.

    وفي مجال العودة إلى الصورة، فإنه سيكون ممكنا أن تبث الصورة ثلاثية الأبعاد، لتقترب من الواقع الحسي أكثر. وكما تمضي التقنية في خدمة تطور المعرفة، فإنها تمضي في الاستجابات الحسية والوثنية. وبالطبع، فإن استخدامها الشرير المدمر يبدو غالبا على الانطباع والتصور اليوم.

    ولكنها (المعلوماتية) تبدو أيضا متجهة، وعلى نحو مدهش لجيلنا (العقد الخامس) على الأقل، نحو مرحلة حضارية واجتماعية تعلي من شأن المعرفة والفكرة، وتحولها إلى مورد عظيم، لعله أهم مورد في الاقتصادات العالمية والوطنية، وتفعّل مداخل المعرفة والتعليم، وتتحدى كل أوعية التلقي والمشاركة الفكرية والثقافية السابقة، بقدر من الفرص والتسهيلات والثراء والإتاحة، تجعل من المدارس والجامعات والمراكز والمؤسسات الثقافية والتعليمية جميعها عرضة للزوال، ليس من أجل التلاشي، ولكن بسبب الإغراق الهائل في المعلومات والمعرفة، الذي يجعل المعلمين والمناهج والمكتبات وكل مصادر المعرفة شيئا ضئيلا بالغ الضآلة.

    فأنت عندما تتصل بشبكة الإنترنت، بتكاليف قليلة نسبيا، تستطيع قراءة معظم -إن لم يكن جميع- الصحف في العالم بأسره، وقبل صدورها وتوزيعها في السوق. وتطالع إصدارات مراكز الدراسات ودور النشر، وتتابع عروض الكتب والأفلام والبرامج التلفزيونية، وتستدعي إلى جهاز الكمبيوتر عددا لا محدود من الكتب والدراسات والتقارير والملخصات.

    وتمضي إلى الجامعات ومراكز التدريب وتعلم نفسك، وتتلقى الدروس والمحاضرات والدورات، وتشارك برأيك وتعليقك في مواقع المؤسسات الإعلامية الكبرى، أو في حلقات النقاش والمنتديات والساحات الفكرية والإعلامية، وتتواصل مع الكتاب والسياسيين والقادة والمفكرين والأصدقاء، وتتبادلون المعرفة والأخبار والمقالات والكتب. وتمضي هذه العلاقات والصداقات إلى أعمال ومشروعات مشتركة، مثل إصدار الكتب ونشرها ونقدها ومراجعتها وتحريرها، وقد لا يكون هؤلاء الأصدقاء والزملاء قد التقوا من قبل.

    والمعرفة المتدفقة اليوم بسهولة، والقدرة على الإحاطة والتراكم المعرفي، يفترض أن تتيح لمعظم الناس، إن لم يكن جميعهم، أصحاب المهن والحرف والطلبة والباحثون والمسوقون والتجار ورجال الأعمال والسياسة والحكم، القدرة على تطوير مهنهم وخبراتهم وتجاربهم، وإتقانها بتزايد متواصل، وأن يطلعوا على ما يلزمهم من معارف وتجارب ومعلومات وأخبار، يواكبون بها أولا بأول كل مستجدات المهن والعمل والمعرفة، وبقدر من السهولة والإتاحة لم يجعل الارتقاء والتنمية حلما بعيد المنال.

    للوهلة الأولى، تبدو هذه الموجة ساحة للفيديو كليب والترفيه أو الاستعراضات السياسية والإعلامية، وفرصة للعنتريات المتطرفة السمندلية (السمندل ذلك الديناصور المتبقي في الكهوف البعيدة)، لكنها مقولة -على صحتها- تحجب قدرا كبيرا مما يجري، ويمكن أن يجري أيضا، من تحولات معرفية وحضارية واجتماعية.

    وقد تكون موضوعة الصورة والفكرة مدخلا للتفكير في السياسات العالمية التي نتجادل فيها اليوم. إذ وصف وولفويتز، نائب وزير الدفاع السابق في الولايات المتحدة الأميركية والرئيس الحالي للبنك الدولي، الحرب الدائرة في العراق بأنها حرب أفكار. والواقع أنه توصيف بالغ الدقة. فلعلها الحرب الأولى في التاريخ التي تؤدي فيها الأفكار ووسائل الإعلام والاتصال الدور الأكبر في مسار الحرب ونتيجتها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق