مشكلة ما بعد الانسحاب من غزة

تم نشره في الأحد 14 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

   من حق الشعب الفلسطيني البدء باكرا بالاحتفال بجلاء الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة، ذلك ان زوال الاحتلال، ولو عن متر مربع واحد، يعتبر مؤشرا الى ان الشعب الفلسطيني في طريقه الى تحقيق حلمه المتمثل في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

    لكن الاحتفال بخروج الإسرائيلي من غزة يجب ألا يخفي واقعا مهما، هو ان هناك مشكلة كبيرة اسمها "ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة". لب هذه المشكلة استمرار الاحتلال للضفة الغربية والقدس الشرقية التي كان ياسر عرفات، رحمه الله، يسميها القدس الشريف. كيف يمكن أن يمهد الانسحاب من غزة لانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشريف؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يفترض في الشعب الفلسطيني الإجابة عنه في الاسابيع القليلة المقبلة.

    الأكيد ان الجواب لا يكون بإعلان "حماس" انها ستتمسك بسلاحها، ولا يكون بتعميق الخلافات الداخلية في "فتح" بما يخدم التطرف الفلسطيني. على العكس من ذلك، يفترض في "فتح" توحيد صفوفها أكثر من أي وقت، وان تؤكد مجددا انها ملتفة حول السلطة الفلسطينية وبرنامجها السياسي الذي انتخب على أساسه السيد محمود عباس (ابو مازن) رئيسا للسلطة الوطنية.

    صار الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة واقعا. انه نتيجة نضال سياسي طويل خاضه الشعب الفلسطيني، ونتيجة الانتفاضة الاولى "انتفاضة الحجارة" التي أدت الى توقيع اتفاق اوسلو، هذا الاتفاق الذي اعاد للفلسطينيين أرضا للمرة الاولى في تاريخهم الحديث، وكل ما عدا ذلك أوهام بأوهام، وغرق في مزايدات وشعارات لا طائل منها، من نوع تشبيه الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة بالانسحاب من جنوب لبنان.

    اذا كان الفلسطينيون يريدون الاستفادة من الانسحاب من قطاع غزة، فعليهم اولا عدم ارتكاب خطأ المقارنة بين هذا الانسحاب من جهة والانسحاب من جنوب لبنان من جهة اخرى، انهما وضعان مختلفان كليا. اكثر من ذلك، ان اسرائيل انسحبت من جنوب لبنان تحت ضغط المقاومة، ولكن ما لا يمكن تجاهله ان الحكومة التي نفذت الانسحاب، وهي حكومة ايهود باراك، في ايار من العام 2000 كانت أدرجت الموضوع في البرنامج الذي خاض على أساسه باراك الانتخابات، كذلك لا يمكن تجاهل ان توقيت ايار من السنة 2000 لتنفيذ الانسحاب جاء من أجل احراج ياسر عرفات. وبكلام أوضح، وقع الزعيم الفلسطيني الراحل في فخ نصبه له الإسرائيليون عندما رفض التعاطي بطريقة براغماتية مع العرض الذي قدم له في كامب ديفيد في تموز من السنة ذاتها، من منطلق ان اسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة. لقد اقتنع "ابوعمار" وقتذاك، وربما وجد من يقنعه، بأن سقوط مائة قتيل إسرائيلي سيؤدي الى انسحاب من الضفة الغربية على غرار ما حصل في جنوب لبنان.

    تلك كانت حسابات خاطئة. تلك كانت خدعة اسرائيلية ادت الى اتخاذ قرار بعسكرة الانتفاضة. انه القرار الذي لا يزال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنه حتى الآن. على المسؤولين الفلسطينيين، بدءا بأصغر مسؤول وانتهاء بزعماء "حماس"، ان يتذكروا انه حصل انسحاب من غزة، حصل في الماضي بموجب اتفاق اوسلو، وان مطارها كان يعمل بشكل طبيعي في مرحلة ما.. في حين ان ليس ما يضمن حاليا اعادة فتحه.

    وحده الابتعاد عن المزايدات والشعارات الفارغة يمكن ان يؤدي الى البناء على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة. واذا كان من نصيحة يمكن توجيهها الى "حماس" والى غير "حماس"، والى الذين يسعون الى تحويل "فتح" ميليشيا فلسطينية اخرى بدل ان تكون ملتفة حول السلطة الوطنية وأجهزتها، فان هذه النصيحة تتلخص في ان العالم لن يقبل بأن تكون غزة "حماسستان"، اي جمهورية محكومة من "حماس"، وبؤرة يتجمع فيها مسلحون يطلقون صواريخ من النوع المضحك-المبكي على مواقع اسرائيلية.

    ان ثمة حاجة الى الاقتناع بان المستقبل الفلسطيني الأفضل متوقف على الانتهاء من فوضى السلاح، وهذا يعني اعتماد خط سياسي واضح، يقوم على فكرة ان غزة تحت الحكم الفلسطيني وبعد زوال الاحتلال منطقة آمنة تسودها حال حضارية. مثل هذا البرنامج الواضح يمكن ان يستخدم لدحر الاحتلال في الضفة الغربية، وحرمان آرييل شارون من اي مبررات للبقاء فيها.

    أمام الجانب الفلسطيني فرصة ذهبية يفترض به الا يضيعها اذا كان جادا في الوصول الى الربط بين الانسحاب من غزة والانسحاب من الضفة الغربية. صحيح ان لدى شارون مخططه الواضح، الهادف الى استخدام الانسحاب من غزة للتمسك بأجزاء من الضفة الغربية، لكن الصحيح ايضا ان الكثير يتوقف على كيفية تصرف الجانب الفلسطيني في الأسابيع القليلة المقبلة. اذا استطاع هذا الجانب الظهور بمظهر حضاري، سيجد الجانب الاسرائيلي صعوبة كبيرة في اقناع العالم، وعلى رأسه اميركا، بانه لا يستطيع تنفيذ انسحابات جديدة من الضفة الغربية. واذا اختار فوضى السلاح وفوضى بيانات "حماس" وفوضى "فتح" المنقسمة على نفسها، فسيوفر لشارون هدية مجانية، ويظهره بمظهر غير القادر على الدخول في أي مفاوضات جدية لانهاء الاحتلال، لانه منغمس حتى أذنيه في "حرب على الارهاب" مصدرها قطاع غزة. وفي هذه الحال، سيقف العالم يتفرج على جرائم جديدة ترتكبها الآلة العسكرية الاسرائيلية... بل سيصفق لها، فيما الشعب الفلسطيني ينتقل من مأساة الى مأساة، وكأن الشعارات الطنانة توفر له الخبز والماء والعيش الهانئ والاستقلال.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق