حتى يكون الانسحاب من غزة بداية الانفراج

تم نشره في السبت 13 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً


    بدأت إسرائيل بتنفيذ خطة الانسحاب من قطاع غزّة، بعد كثير من المماطلة وبعض التأجيل. لكنّه أصبح في حكم المؤكد أن المستوطنين اليهود سيرحلون، وأن المستوطنات ستزول.

    عندما أعلن شارون عن نيته التخلّي عن قطاع غزّة، قبل أكثر من عام، بّرر ذلك بأن غزّة هي ليست المكان المناسب لبقاء اليهود إلى الأبد؛ فحماية ما يقارب سبعة آلاف مستوطن استوجبت تخصيص أربعة أضعاف عددهم من جنود الجيش الإسرائيلي، لحمايتهم وسط ما يزيد على مليون عربي فلسطيني يقيمون في القطاع، فيما يشكل أعلى كثافة سكانية في العالم.

    وصباح الثلاثاء الفائت، سمعنا سيّدة يهودية تستعد لمغادرة بيتها في إحدى المستوطنات في غزّة تقول لهيئة الإذاعة البريطانية إنها ستغادر خوفاً من صواريخ القسّام التي أخذت تتساقط على بيوت المستوطنين، وأنها تأمل أن تبتعد عن مرمى الصواريخ عند الانتقال إلى مكان أكثر أمناً في عمق إسرائيل.

     من البدهي أن تكوين نظرية لا يعتمد على رأي واحد، لكن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هي أن إسرائيل سترحل عن غزّة لأسباب أمنية ليس إلاّ. والأسباب الأمنية لا تعني التهديد المباشر لأمن وحياة المستوطنين الناجم عن استمرار المقاومة، وإن بصورة غير مكثفة ومتواصلة؛ بل تشمل أيضاً مسألة التوازن الديمغرافي. فليس من المعقول تأمين أي نوع من الحياة المستقرّة لسبعة آلاف مستوطن في محيط يتكون من أكثر من مليون فلسطيني يبادلونهم العداء ويرفضون وجودهم في قلب مجتمعهم كمحتلين ومغتصبين ومنتهكين للحقوق، ومتسلطين على مقدرات الأرض، ومرتكبين لأفظع الممارسات بحق أصحاب الأرض الحقيقيين.

لا يمكن القول إن كل فصائل المقاومة الفلسطينية الموجودة، أو العاملة في غزّة، بإمكاناتها البدائية القليلة، وبالقيود المحكمة التي تفرضها السلطة الفلسطينية على أي تحرّك لها ضدّ الاحتلال ومستوطناته، لا يمكن القول أنها هزمت جيش الاحتلال، وأرغمته على التراجع. والمقولة التي أخذت تتكرّر على لسان دعاة وقف الانتفاضة على أساس أن الميزان العسكري هو في صالح إسرائيل، هي من الناحية القياسية صحيحة، لكن ليس بهذه الطريقة تتم المقارنة. فلم نسمع أن إمكانات أية حركة تحرير في التاريخ قد قورنت بإمكانات الجيوش التي كانت تواجهها، والتي كانت في كل الحالات اضخم منها بكثير. فذلك القياس يصح فقط في الحروب النظامية، أما قواعد عمليات المقاومة، حتى لو اقتصرت على الحجارة، كما كان حال الانتفاضة الأولى، فلها تقييم مختلف. ولا يستطيع أي جيش، مهما بلغت قوّته، أن يوفر الأمن في ظل ظروف يُستعاض فيها عن التعايش من خلال التراضي والاتفاق، بالقمع والقهر والظلم والاحتلال.

    لنفس الأسباب التي تجد إسرائيل نفسها مضطرة لمغادرة غزّة، وجدت إسرائيل نفسها مضطرة قبل خمس سنوات لمغادرة جنوب لبنان، بعد 18 سنة من الاحتلال والمعاناة والخسائر في الأرواح.

    وإذا صحّ الاستنتاج بأن إسرائيل لا تفهم إلا لغة المقاومة (وإن كانت تبذل كل ما لديها من جهد لإخماد هذا المفهوم، حتى لا يبدو انسحابها من غزّة الآن، وانسحابها من لبنان من قبل رضوخاً لانتصار المقاومة) فيصحّ الاستنتاج أيضاً أن المحصّلة هي ليست بالضرورة الدعوة إلى استمرار المقاومة في ظل ظروف الالتزام بالتهدئة ورفض العنف، وترقية ثقافة الحوار والتفاوض والبحث السلمي عن الحلول المعتدلة العادلة.

    وبدلاً من الدعوة إلى مواجهة إسرائيل باللغة التي يبدو أنها لا تفهم غيرها، يمكن التوجه لإسرائيل لتدرك حتميات التاريخ ودروسه، وأبرزها أن العنف الذي يفجّره الظلم لا يعالج بارتكاب المزيد من الظلم، ولا يعالج بإسكات من يعلو صراخه من شدّة الألم، ولا بمعاقبة من يفقد السيطرة على سلوكه الحضاري من شدّة القهر والظلم، بل يعالج بإزالة كل أسباب الألم، والظلم والقمع والتسلط.

     إذا كان العنف معلّقاً الآن، فالمطلوب الاستفادة من فترة التهدئة الهشّة، بخلق المناخ الصحيح الذي يسوده الأمن والسلم والحياة الطبيعية للجميع، وذلك بإزالة كل مظاهر الظلم التي يديمها الاحتلال وتغذيها ممارساته.

    بتلك الطريقة يمكن أن يكون الانسحاب من غزّة بداية للانفراج، لا مجرّد سدّ ثغَرة من جهة لفتح ثغرة أكبر منها في جهة أخرى.
سفير الأردن الاسبق في الأمم المتحدة

التعليق