جميل النمري

اقتراح الجعفري!

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً



يبدو اقتراح إبراهيم الجعفري هو الطريق الاسلم للخروج من عنق الزجاجة؛ اقرار الدستور مع تأجيل او تعليق الحسم في المواد الخلافية، والمضي قدما الى الانتخابات البرلمانية.

تجربة التاريخ تعلمنا ان كثيرا من الخلافات التي قادت الى حروب اهليّة لم تكن تستحق الثمن الرهيب الذي دفع من أجلها، وان المساومات والتنازلات للوصول الى اتفاق توفر خسائر اكثر ايلاما، ولو كان الجميع في لبنان على وعي بما ستفعله الحرب الاهلية، لتوصلوا مباشرة الى ما يشبه اتفاق الطائف، ووفروا على لبنان ما لحق به من مصائب.

الدستور لن يحسم مستقبل ومصير اقليم كردستان؛ فلو توفرت في المستقبل ظروف مؤاتية، فلن يمنع اي نص كردستان من الانفصال. ونحن نعلم ان اشواق الشعب الكردي الحقيقية هي إلى وجود دولة كردية كبرى، وما يمنع ذلك الان ليس العراق الضعيف والمفكك، بل تركيا وايران.

الذي يحصل الان ان الجميع يصعّد مطالبه في نصف الساعة الاخيرة قبل الاجل المحدد للاتفاق على الدستور منتصف آب المقبل. كل طرف يريد تثبيت اقصى مكاسب في النصوص النهائية، بما يتجاوز الاسس التي توفرت بين الاطراف منذ ما قبل سقوط النظام السابق. ولأول مرّة، يتحدث الشيعة عمّا كان يعتبر من المحرمات، ولم يسبق قوله ابدا؛ فالحكيم يطلب كيانا شيعيا للجنوب كله في اطار الفيدرالية، لكن بعض الاصوات الاقل رسمية، تجاهر صراحة بمطلب الدولة الشيعية. 

كيان شيعي يعني السيطرة على الموارد النفطية الكبيرة في الجنوب، فيما يبدو ردا على المطالب الكردية في الشمال، لكن بعض القيادات الشيعية تغريها الفكرة كثيرا، وهي اصبحت مطروحة، وقد تصبح غدا من ثوابت الموقف الشيعي. الانتماء للعراق يتهاوى تحت ضغط المصالح الضيقة، وهي في الحقيقة لا تخدم الجمهور العادي، لكن جماعة ابو مصعب الزرقاوي وأضرابه، نجحت ايما نجاح في تفجير الابواب المغلقة، التي كانت تقف في وجه بروز هذه النزعات، حتى اصبحت لها قاعدة شعبية.

من الواضح ان النزعات الانفصالية تتنامى، ويا للأسى على عرب لا نرى لهم دورا في هذا، بينما سطوة تركيا وحدها تحكم الموقف الاميركي والكردي في قضية الشمال! ونحن لا نعلم  ما يحدث في الميدان، وما قد يتفاقم غدا من ضغوط الى درجة "الترانسفير" المكشوف للأقليات من مناطق الاغلبيات، وتحديدا وضع العرب السنّة في الشمال والجنوب، والنموذج البارز الذي  يشكل احدى معضلات الدستور هو قضية كركوك في الشمال، وجنسية الاعداد الغفيرة –وفق ما نسمع– من الايرانيين في الجنوب.

يوجد تعنت ورغبة في استغلال اللحظة التاريخية من كل طرف قد يشعر انه مسؤول امام الاجيال السابقة واللاحقة عن موقفه، لكن يقينا ان الاجيال اللاحقة ستكون لها مصالح ورؤية مختلفة، ويجب اعطاء الحياة واجاباتها العملية فرصة.
ولأن الامر كذلك، فاذا لم تصل الاطراف الى تسوية، يصبح اقتراح الجعفري هو الاكثر واقعية فعلا. انه يعطي فرصة لقيام برلمان وحكومة وفق الاسس الديمقراطية المعتمدة والمقبولة من الجميع، وتبقى قضايا التقسيمات والفيدرالية قيد النظر والحوار، ولو لسنوات.
jamil.nimri@alghad.jo

التعليق