د.باسم الطويسي

الحركات الاحتجاجية العربية والبحث عن سلطة الناس

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

    لفت ظهور الحركات الاحتجاجية السلمية في بعض الدول العربية، مثل مصر واليمن وفلسطين ولبنان والمغرب والجزائر، ومن أمثلتها "كفاية" و"كفى وارحلوا"، لفت الانتباه إلى ما تختزنه المجتمعات العربية من قدرات للتجريب في أدوات أخرى للعمل السياسي، لم تألفها الحياة السياسية العربية على امتداد قرن من العنف والتسلط وحكم العسكر والأفراد. وأهم ما تشير إليه هذه الحركات إمكانية البناء عليها، نحو ما يطلق عليه علماء الاجتماع السياسي"سلطة الناس"، مما يتطلب التفريق بين ثلاثة مفاهيم أساسية؛ الناس من جهة، والجماهير والمواطنون من جهة أخرى. فالمفهومان الثاني والثالث يحمل كل منها دلالات سياسية وأيديولوجية، فيما تشير "سلطة الناس" إلى الإرادة الشعبية التي ينضجها اولئك غير المعنيين بالسياسة؛ أي الذين لا تقودهم أيديولوجيا وأفكار جاهزة، ولا يخضعون لآليات التنظيم التقليدية، ويعبرون عن الضيق من الأحوال القائمة والرغبة العارمة بالتغيير بأدوات سلمية، بمعنى كسر دورة الحياة السياسية التقليدية ورتابتها.

    بالفعل، استطاعت حركات الاحتجاج الجديدة لفت الانتباه إلى مجال سياسي جديد آخذ بالتشكل، من خلال الدعوة إلى التغيير الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة ورفض التوريث السياسي. وفي الوقت الذي أظهرت فيه هذه الحركات حجم الفجـوة الهائلـة بين الأنظمة السياسية وشعوبها، فقد أشارت إلى ملامح مطمئنة -نوعاً ما- بشأن قدرة الناس على استعادة حناجرهم ورفع أصواتهم بجرأة، وهو الأمر الذي كدنا نعتقد انه أصبح خارج الزمن السياسي العربي المعاصر.

    المسألة المقلقة في الحركات الاحتجاجية العربية انها لم تصل بشكل ملموس إلى جوهر الإطار الاجتماعي الذي وجدت من أجله، ولا يبرر ذلك قصر عمرها الزمني، أي أنها ماتزال عاجزة عن التحول إلى حركات اجتماعية بمضمون سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمـة، قادرة على تحريك قطاعات واسعة من الناس، تجتمع حول برنامج واضح ومحدد، وتبتدع أدوات سلمية متنوعة ومتعددة في التعبير عن هذه المطالب، دون ان تتحول إلى نسق الجماهير الغاضبة التي تحركها الدعاية، ولا تتورع عن استخدام العنف للتعبير عن مطالبها، وفي أحيان كثيرة توفر بسلوكها المسوغات لقمعها واقتلاعها من الجذور. في حين ان حركات الاحتجاج السياسي السلمية، النابعة من صلب الحركات الاجتماعية، والتي ازدادت حضوراً في الفترة الأخيرة، ليست من اختراعات القرن الجديد، بل تعود جذورها إلى نهايات القرن التاسع عشر، ولها حضورها في الثقافات الأسيوية قبل الأوروبية.

    اذن، نجد ان من بين أهم مصادر الخوف على الحركات الاحتجاجية العربية افتقادها لما يسمى "سلطة الناس"، التي ترتبط تاريخياً بالحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير السلمي. إذ تنمو المطالب وسط الازدحام، وينفجر التعبير عنها جماعياً، ويحمل المجتمع على أكتافه مشروع التغيير، وينتج أدواته وتقنياته للتعبير السلمي عن الرفض والاحتجاج. وترتبط هذه الأدوات بخصوصية الثقافة المحلية، وبأشكال التعبير المحلي عن الاحتجاج والرفض في الثقافـة الشعبية. ولطالما تم استدعاء التراث الاجتماعي، وربما الأبطال الشعبيين، من الذاكرة الجماعية، وما يدور حولهم من قصص واشعار ورموز، وتحويلها إلى "رصاص بارد" في معارك المواجهة والتحريض على التغيير، عبر انعاش ذاكرة الناس وبناء مخيلة جديدة تتوق للتغيير وتؤمن بعدم استحالته.

    تجارب الاحتجاج العربية، في مصر واليمن ولبنان والمغرب والجزائر وغيرها، ماتزال بعيدة عن سلطة الناس. وحتى لا تشيخ وهي في المهد، فهي تحتاج إلى اقتراب والتصاق اكثر بالناس، وتحويلهم إلى فاعلين سياسيين حقيقيين.

كلمات أخرى، التخلص من ذهنية الطليعة والنخبة التي تطلق الشعارات والحملات الدعائية الكبرى، وتشغل مواقع سياسية ساخنة على شبكة الإنترنت، ولا تستطيع ان تجمع ألف متظاهر في وسط العاصمة. فلا يمكن تصـور حركة احتجاجية كبرى، تطلق مشروعاً مجتمعياً للتغيير السياسي، دون تدشين قاعدة شعبيـة حقيقية، لها برنامج عمل لا يمكن الاختـلاف حول خطوطه العامة، يلتقي حولـه الجميع في المقاومة السلمية للظلم السياسي ومصادره المتفرعة عن الظلم الاجتماعي والثقافي، وتشتق رموز هذا النضال السلمي من الثقافـة المحليـة ومن ذاكرة الناس وهمومهم واشواقهم، كي لا تتكرر الحكايـة ذاتها بعد كل فشل تاريخي، حينما يُكتشف ان الطليعـة أو النخبـة أو التنظيمات قد اغتالت أحلام الناس الذين بقوا خارج دائرة الفعل الذي يدار باسمهم ومن أجلهم.

    لو نظرنا إلى المشهد من احدى زواياه وتساءلنا: هل المجتمعات العربية غير مستعدة بالفعل للاحتجاج، ولم تنضج لديها الظروف والمحددات الموضوعية للتعبير السلمي عن الرفض، ام انها ممعنة بدوامة الصمت والخذلان واليأس من التغيير، وتعبر عن هذا الواقع المرير بإنتاج جماعات العنف المعروفة؟ ومن الزاوية المقابلة، تُطرح أسئلة أخرى لا تقل خطـورة، أهمها حول أهلية الحركات القائمة، وبالتحديد تلك التي ظهرت مؤخراً لقيادة سلطة الناس، لاستعادة الناس لأوطانهم، وأقلها إعادة أصوات الناس إلى حناجرهم، للتعبير بإرادتهم وبالشكل الذي يرغبون فيه عن مطالبهم وحاجتهم للتغيير؟ يجب أن تلتفت حركات الاحتجاج السلمي في العالم العربي مبكراً إلى وجود أزمات متعددة تبعدها عن الناس؛ فهناك أزمة معرفـة ووعـي متبادلـة، وهناك أزمة ثقة وشك في مصداقية ذهنية الطليعة التي ما تزال تحكم هذه الحركات، وهناك أزمة غربة وفجوة بين بعض ملامح البرنامج الشعبي للتغيير، في معظم المجتمعات العربية، والمعنون بقضايا الفقر والبطالة والفساد والتهميش، وبين برامج حركات الاحتجاج التي تطلي القضايا الكبرى بمكياج سياسي ينطلق من التداول السلمي للسلطة وينتهي به، على أهمية الموضوع وأولويته في مطالب الإصلاح.

     لا شك ان المجتمعات العربية لم تعرف، خلال العقود القليلة الماضية، الا مظاهر الاحتجاج العنيف في التعبير عن التنازع مع السلطة، ولا يوجد شك في ان الحركات الاجتماعية السلمية الجديدة كشفت بدورها عن أزمات حقيقية في المجتمع السياسي، وعبرت بقوة عن إفلاس الأحزاب السياسية العربية وأزمتها الخانقة مع الجماهير، حينما عجزت عن تصعيد مطالبها وتحويلها إلى أفعال سياسية، كما عبرت هذه الحركات عن إفلاس انوية المجتمعات المدنيـة وفقرها السياسي والمجتمعي. وبالتالي، كشفت هذه الحركات عن إمكانية البحث عن مجال سياسي عام جديد، يستوعب مضامين سياسية واجتماعية جديدة، وأدوات مختلفة للتعبير عن المطالب، ولغة أخرى لبناء أنماط التحالفات وحراكا شعبيا هادفا إلى انتزاع التغيير وبناء مجتمعات ديمقراطية جديدة.

    ومع هذا كله، فهذه الحركات بأمس الحاجة إلى الالتصاق أكثر بالناس، والانغماس في الثقافة الشعبية وتحويلها إلى أيديولوجيا للرفض والاحتجاج، حتى لا تبقى مجرد سحابة صيف جاءت بها مشاريع الإصلاح الخارجية، وتنتهي وتتراجع بمجرد تغيير أولويات الولايات المتحدة ومشاريعها وحروبها في المنطقة.
basim.twissi@alghad.jo

التعليق