هل رسم الحراك السياسي النيابي خارطة المستقبل السياسية؟!

تم نشره في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

انفضّت الدورة الاستثنائية، وذهب البرلمان في إجازة، وأصبح كل شيء وراءنا. لكن الحراك السياسي-النيابي المشهود لم يذهب عبثا، وسيكون حاضرا في خلفية الصورة مع المواعيد القادمة؛ أقربها موعد إعلان الأجندة الوطنية، ويليه موعد الدورة العادية القادمة للبرلمان. والأول يتصل بالرؤية المقترحة لإعادة الهيكلة السياسية، والثاني بتقرير وضع الحكومة الحالية وإدارة الموقف حتى الانتخابات النيابية المقبلة، والأمر مفتوح على عدّة احتمالات: تشكيل حكومة جديدة، تعديل حكومي، اشراك النواب في الحكومة وإشراكهم في سنّ القوانين الجديدة للعمل السياسي وللانتخابات، حلّ البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وفق قانون انتخابات جديد ومؤقت.

الوقت مبكر لتقرير الخيارات، ونترك هذا الاستحقاق لحينه لننظر في الحقائق التي أفرزها الحراك السياسي– النيابي وما حمله من معان ودلالات مع اقتراب موعد الأجندة الوطنية، والتي منها -على ما نرى- رسم أولي لملامح خارطة المستقبل السياسية.

الموقف من تشكيل الحكومات

أول الحقائق التي أفرزها الحراك السياسي النيابي أن تشكيل الحكومات بالطريقة القديمة لم يعد مقبولا. هذا الاستنتاج يتجاوز تفاصيل التشكيل الى المبدأ، مبدأ تهميش النواب في المشاورات وتأثيرهم على رسم ملامح التشكيل. فمرّة بعد مرّة، أخذ النواب يشعرون أن دورهم "ديكورا" لاستكمال الخطوات الدستورية التي تقتضي حصول الحكومة على الثقة، مع انها قد تطير بعد ثلاثة أشهر (آخر حكومة لأبو الراغب مثلا) ليطلب من النواب الثقة لحكومة جديدة، وهم مثل بقية المواطنين يتحزّرون حول أسباب رحيل القديمة أو مجيء الجديدة. وقد بدأ مفهوم الحكومات المنتخبة لأول مرّة يطرح للتداول، ولوحظ أن الاعتراض الدستوري الذي يقول ان تسمية الحكومات مناط دستوريا بالملك، والحكومة منتخبة ما دام النواب يصوّتون عليها، هذا الاعتراض كان خافتا، لأن القضية لم تعد قابلة للتخريج الشكلي. ففي الجوهر، يعلم الجميع ان لا دور لمجلس النواب في تشكيل الحكومات أو بقائها أو رحيلها، وواقع الحال أنه من حكومة إلى أخرى، كان دور النواب يزداد تراجعا، وهكذا فان شعار الاصلاح السياسي بدأ يجد طريقه الى الوسط النيابي أيضا.

المحاصصة والكفاءة وتوزير النواب

منذ زمن، يتكرر الحديث عن اعتماد الكفاءة أساسا للتوزير بغض النظر عن التوزيع الجغرافي، لكن الشللية ودور مراكز النفوذ بقيت العامل الأساس في تشكيل الحكومات. وإذا كانت مراكز النفوذ غير النيابية تأخذ هذا الدور، فلم يحرم النواب وهم أولى ما داموا يمثلون الإرادة الشعبية. وقد تعزز هذا الموقف بالتطورات التي شهدت تزايد نفوذ الشباب التكنوقراط، الذين باتت لمستهم واضحة في التشكيلات، فأخذ النزاع طابع الصراع بين قوى تقليدية وقوى جديدة، مع ان التحالفات لا تعكس بالضبط هذا المفهوم، إذ إنّ رغبة الجميع في دور حدّدَ تشكيل المعسكرات وفق درجة القرب أو البعد عن المشاركة في القرار. وهكذا، تأخذ الاعتراضات اشكالا مختلفة تخدم كل طرف.. تجاهل بعض المناطق، وتجاهل البعد السياسي والاجتماعي، إضافة الى البعد الذي لا يقال صراحة وهو التوازن الديمغرافي.

ولمّا كانت الكفاءة شعارا لا يقبضه احد في الممارسة، وفي غياب مرجعية واضحة للآلية التي تحكم التشكيل، ظهرت ملامح أزمة. ولأول مرّة تضطرّ حكومة إلى ان تجري تعديلا لأن التشكيل لم يكن موفقا، ثم ترى الأغلبية أن التعديل لم يتوفق ايضا، فما هو التشكيل الذي ترى الاغلبية انه يمثلها؟ إنه غير موجود في الواقع، لأنه مستحيل وفق منطق المحاصصة، وطموح مئات الفعاليات غير المنضوية في تشكيلات سياسية للمشاركة. ولذلك، عاد الحديث بقوّة عن مشاركة النواب في الحكومة كصيغة واضحة للتمثيل الشرعي، والاستخلاص الرئيس ان قواعد اللعبة القديمة لم تعد صالحة للاستمرار.

البرامج والخطط والأشخاص

مع تشكيل هذه الحكومة، كما في مرّات سابقة، تكررت الدعوة للنظر إلى البرنامج وليس الى الاشخاص، لكن هذا النداء ظهرعقيما أكثر من اي مرّة سابقة. فالحكومة السابقة كانت بامتياز حكومة إصلاح، وهي تعرضت للتعديل بفعل ضغوط مراكز قوى استهدفت بعض وزرائها، والرئيس الحالي فوجىء بتكليف سريع، وحصل على بيان تكليف لا يحوي جديدا، وصرّح هو بأن برنامج الحكومة سيعتمد الاجندة الوطنية التي تشكلت لها لجنة من زمن الحكومة السابقة وستظهر اعمالها في شهر ايلول المقبل.

وخطط الاصلاح الاقتصادي، كما هو معلوم، مستمرّة من حكومات سابقة، ولم تتاثر كثيرا بتغيير الحكومات، لكن في الممارسة فان جميع الخطط كانت تخضع لأخذ وردّ وتعديل أو البدء من نقطة الصفر وفق تعاقب الوزراء، وكانت تحدث خلافات تطال أعضاء الفريق الوزاري، وأحيانا تنازع على الصلاحيات، وهو ما أضعف برامج الاصلاح وأفقدها المصداقية. فعلى المستوى العملي، كان هناك تقدم بارز ومشهود أو مراوحة وترهل في هذا المجال او ذاك، وفق نوعية الأشخاص في مواقع المسؤولية، أي أن الاشخاص ايضا على درجة من الاهمية تفوق البرامج.

الأجندة الوطنية خارطة المستقبل السياسية

الحراك الذي رافق تشكيل الحكومة، ابتداء من عريضة الحجب، كان فيه خلط للأوراق أكثر مما فيه فرز للتكتلات، فحمل دلالة ارهاصات اللحظة التي وضعت أكثر من لون ومصلحة في سلّة واحدة لبعض الوقت، وبقاسم مشترك هو الرغبة في التصدّي والرغبة في المشاركة، وكثيرون لم يوقعوا العريضة وكانوا معها، لكن عزّ عليهم اللحاق بمن بادروا لها، وحالما انتقل الموقف الى محطّة جديدة حلّت حسابات واصطفافات مختلفة.

وبالتدقيق في اصطفافات التصويت على الثقة، نكاد نرى صورة جنينية لخارطة المستقبل السياسية. فعلى يمين المجلس ويساره ظهرت كتلتا الحجب الرئيستان (العمل الاسلامي والتجمع الديمقراطي)، وفي الوسط كتلتا الدعم الرئيستان(المجالي والروابدة).

ماذا نتوقع من خارطة سياسية يبلورها مشروع التنمية السياسية غير هذا التوزيع؟!

في الافق المرئي، سيكون في الوسط تحالفان لا تقسمهما خلافات فكرية، بل تمثيل مصالح وطموحات، وبصورة ما تمثيل جهوي جنوب وسط وشمال وسط، وهذا لا يمنع اختراقات متبادلة كما هو حاصل الآن. وعلى اليسار، تشكيل ذو لون تقدمي معتدل، يقدم التجمع الديمقراطي بقيادة د. ممدوح العبادي نموذجا اوليا له، وعلى اليمين تشكيل إسلامي جاهز سلفا.

وفي الحراك الذي رافق معركة رئاسة مجلس النواب، تحالف الاسلاميون مع الكتلة الوطنية الديمقراطية (الروابدة)، التي دعمت ترشيح الدغمي وتحالف التجمع الديمقراطي مع كتلة العمل الوطني التي دعمت المجالي. وقد يحدث ذلك في المستقبل لغايات تشكيل أغلبية حكومية، لكن تحالفا عريضا للوسط قد يغني عن التحالف يسارا أو يمينا.

نظريا، يفترض أن نرى تكتلا وسطيا محافظا وآخر ليبراليا، لكن يصعب تخصيص أحد التوصيفين لأي من كتلتي المجالي والروابدة، فكلتاهما تحويان عناصر قريبة من هذا التوصيف او ذاك، وقد يبقى انقسام الوسط قائما على أسس أخرى شخصيّة ومصلحية وجهوية قد تنطبع مع مرور الوقت بلون سياسي وفكري معين.

ويبقى السؤال: أين موقع من أطلق عليهم تسمية الليبراليون الجدد (والمقصود التكنوقراط الشباب الصاعدون عبر الوظائف أو البزنس) في هذه الخارطة؟

المشكلة أن التسمية اطلقت على حالة غامضة، مازال يتوجب أن نرى كيف ستتمظهر –اذا تمظهرت- كتيار، وصلة ذلك بدور القاعدة غير الإسلامية في مناطق الكثافة السكانية من اصول فلسطينية. هذه واحدة من أبرز علامات الاستفهام، وقد يكون التوقع الأكثر واقعية هو التوزع على الكتل الاساسية السابقة، والعناصر الليبرالية السياسية فعلا قد تكون أقرب للتحالف الديمقراطي التقدمي، لكن كثيرين سيجدون أنفسهم في الوسط في لقاء مصلحي، أمّا مراكز النفوذ المناهضة للإصلاح السياسي الديمقراطي ومعقلها مجلس الاعيان فستجد نفسها مضطرّة للتكيف مع الوضع الجديد، وسنجدها ترفد الوسط بعناصر إضافية وبالاتجاهين المحافظ والليبرالي.

الجديد الذي سيطلق ديناميكية خارطة المستقبل السياسية يتمثل بمخرجات الأجندة الوطنية للعمل السياسي والنظام الانتخابي، فحالما تظهر التوجهات الجديدة التي تخرج الانتخابات من العزلة المحلية إلى العمل الوطني الأرحب فإن الوسط النيابي المحجوزعند النمط التقليدي الهشّ والهلامي للكتل النيابية سيبدأ حراكا جديدا يتلاقى مع حراك مواز للفعاليات خارج المجلس النيابي وسيدخل الجميع مرحلة الاستقطابات، وبأفق التحضير للانتخابات النيابية المقبلة وهذه الاستقطابات ستكون مرشحة للاستمرار بنفس الاتجاه الذي شهدته داخل المجلس النيابي. ومن المتوقع بالطبع أن تظهر تشكيلات أخرى صغيرة من خارج المجلس، وبعضها قد يكون له أهمية سياسية خصوصا إذا توّحد الوسط التقليدي اليساري والقومي في تشكيل أو تشكيلين، لكن ما ستفرزه الساحة من تشكيلات سياسية رئيسية يجد شكله الجنيني الآن فيما أفرزه الحراك السياسي من استقطابات وعلى ذلك يمكن بناء التوقعات.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق