د.باسم الطويسي

ماذا تبقى من مفهوم القيادة في النظام العربي؟

تم نشره في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

 عمل تأجيل القمة العربية الطارئة المنوي عقدها في شرم الشيخ على التخفيف من حدة الأزمة التي أثارتها الجزائر حول الطريقة التي دعت بها مصر إلى عقد القمة وتجاوزت من خلالها ما يسمى بتقاليد مؤسسة القمة ورئاستها الدورية, ومع ان هذا النوع من الأزمات لا يشكل خبرات حقيقية يستفاد منها في التفاعلات السياسية العربية, الا ان هذه الحادثة تستحق التوقف لما تحمله من دلالات على ضرورة إعادة صياغة مفهوم القيادة في النظام الإقليمي العربي إذا ما بقي شيء في هذا النظام يستحق الترميم.

    نجد في كل الأنظمة الإقليمية في العالم بديهية أساسية تربط ايجابيا بين القيادة الإقليمية والقدرة على ممارسة الدور, في حين لا يمكن ممارسة الدور دون توفر شرعية حقيقية تتكون من مصادر تتغير في كل مرحلة باختلاف الاولويات السياسية واختلاف أنماط التعبير عن القوة وأهداف الفاعلين السياسيين من الخارج أي القوى العظمى, مما يذهب بنا مباشرة الى مصادر الشرعية الراهنة لوظيفة القيادة في النظام الإقليمي العربي وما نالها من تغيرات وما تتطلبه من عناصر لإعادة صيانتها من جديد بعد ان فقدت هذه الوظيفة وأعلن البعض موتها, واهم العناصر الجديدة الانتقال من مفهوم الزعامة الى مفهوم القيادة وارتباط الدورالإقليمي بالإنجاز الوطني قبل أي شيء آخر؛ أي ان القدرة على إحداث إصلاحات حقيقية وتنمية فعلية في الداخل هي وحدها التي تؤهل الدولة على المنافسة لممارسة الدور الإقليمي في الخارج.

   الحقيقة ان الوظيفة القيادية في النظام الإقليمي العربي معطلة وقد تم تشتيتها منذ نهاية السبعينيات, على الرغم من ان وظيفة القيادة في أي نظام إقليمي في العالم هي عنصر أساسي لبلورة هذا النظام وقياس مدى فاعليته, فقد كان عنصر القيادة في النظام العربي الرسمي ومنذ نشأة هذا النظام في النصف الثاني من عقد الأربعينيات خاضعا لأنماط توزيع القوة من خلال نمط الإمكانيات ونمط السياسات ونمط التحالفات, وحافظت مصر طوال فترة حكم عبد الناصر وحتى أواخر السبعينيات على زعامة هذا النظام, ومع ازدياد نفوذ النفط وتأثيره بعد حرب رمضان وسلوك مصر السياسي الذي قاد الى تغيير معادلات الصراع العربي الإسرائيلي وفي ضوء القراءة العربية آنذاك لهذا السلوك ظهرت بوادر تشتت الوظيفة القيادية, الأمر الذي انتهى كما هو معروف بنقل مقر الجامعة العربية من القاهرة؛ اذ ان دولة المقر كانت ترمز الى الدور القيادي وسبق ذلك وصاحبه شد باتجاهين الأول بالغ في نفوذ السعودية وتأثيرها في المنطقة وقدرتها في التأثير على الولايات المتحدة الى جانب قوتها الدولية في العالم الإسلامي, والثاني بالغ في قوة مصر وتأثيرها في المجالين العربي والدولي وقدرتها على إعادة ترتيب اولويات هذا النظام وانتشاله من حالة التفكك والضعف. واتضح فيما بعد -كما يقول علي الدين هلال- ان كلا من السعودية ومصر قد تعرضتا الى حملة تعظيم للقدرات قادتها وسائل الإعلام الغربية وشاركت فيها الدبلوماسية الأمريكية وأجهزتها الأمنية.

   في هذا الوقت خاضت أطراف من الدولة والمجتمع في مصر لعبة خطيرة أسهمت في فقدان"الإقليم القاعدة" كما كان يسميها عصمت سيف الدولة اي مصر لتقاليد القيادة من قبيل تشجيع التيارات الإقليمية وإعادة إحياء الدعوة الى الثقافة المصرية وضرب الفكر القومي في مصر ومطاردة رموزه وتشجيع القيادات الإسلامية المتطرفة بهدف محاربة الاتجاهات القومية واليسارية, وبين ليلة وضحاها نمت على ضفاف النيل خطابات جديدة وفرضت تعتيما شاملا على الإنجازات القومية في السياسة المصرية, وتم التركيز على خسائر مصر مواقفها وتضحياتها في القضايا القومية ولم يبق أمام هذا التيار الا الوقوف أمام مبنى الجامعة العربية الفارغ وسط القاهرة والدعوة الى ردمه في وسط مياه النيل.

   منذ ما بعد منتصف الثمانينيات بدأ الدفء يعود الى الوظيفة القيادية وتحولت أقطار عربية من مرحلة الرصيد القوي الى جانب الدولة القيادية مثل سورية والعراق الى دول تحمل طموحات في قيادة النظام برمته, وفي هذا الوقت وبعد أن فرغت الولايات المتحدة من استثمار كافة طاقات النظام المصري والانفراد بالتأييد الأمريكي للسياسات المصرية بدأت الولايات المتحدة بتمهيد الطريق أمام السياسة السعودية لتمارس نفوذا في النظام العربي مما دفع السعودية الى التقدم بمبادئها الثمانية لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي ورافق ذلك حملة دبلوماسية غربية ضخمت دور السعودية كما حدث مع مصر في السبعينيات, واستطاعت السعودية بالفعل تحويل تلك المبادئ الى مبادرة تتبناها قمة فاس.                  

  بالطبع, اليوم الظروف وأنماط القوة والتحالفات والسياسات تجعل كلا من مصر او السعودية او سورية والآخرين يعدون الى الألف قبل المبادرة بممارسة سلوك يشير الى الالتزام بالدور القيادي كما كان يحدث في السابق؛ بمعنى انه دور انتقائي تفرضه الظروف والمصالح في الوقت الذي بدأت النخب العربية تدرك ان الوظيفة القيادية ترتبط بالقدرة على بناء الدولة النموذج؛ أي الرصيد في الإنجاز الوطني الذي يقرأ اليوم في القدرة على الإصلاح والتحول الديمقراطي السلمي وخلق بيئة آمنة للتنمية والتحديث.

   أول ما ينهار في النظام الإقليمي القيادة وأول ما يتم اعاة بنائه القيادة أيضا؛ ولعل من بين الكثير الذي يحتاجه النظام الرسمي العربي الانتقال بالممارسة من مفهوم الزعامة الى مفهوم القيادة ثم الإدارة, والتخلص من مبدأ مركزية التوجيه في النظام لكي تصبح الوظيفة القيادية معنية بالدرجة الأولى بالحفاظ على الحد المعقول من القيم السياسية المشتركة وامتلاك القدرة التوزيعية لأنماط التفاعلات داخل وحدات النظام وخارجها أي توسيع قمة الهرم القيادي.

  من المفيد التذكير بأن خبرة النظام الرسمي العربي تدل على وظيفة قيادية تمارس بالفعل على ارض الواقع, وثمة وظيفة أخرى تمارس من خلال وسائل الإعلام وأشكال متعددة من الدبلوماسية, وهناك أنماط لاصطناع الدور القيادي من اجل تشتيت النظام برمته, وهناك في المقابل أطراف يفرض عليها شكل من أشكال الدور الإقليمي وتقوم به.

  ومع هذا وذاك, ستثبت السنوات القليلة القادمة ان مفهوم القوة وما يرتبط به من أنماط القيادة والأدوار السياسية الإقليمية هو مفهوم داخلي وليس خارجيا ستحدده المجتمعات العربية قبل النظم السياسية في ضوء مدى قدرتها على امتلاك مصيرها, وتحقيق إنجازات وطنية في إصلاح حقيقي نابع من حاجات الناس وحقهم في الحرية والتنمية.   

Basim.twissi@alghad.jo

التعليق