محمد أبو رمان

بريطانيا على خطى أميركا

تم نشره في الاثنين 8 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 

   ليس ثمة خلاف أن من حق الحكومة البريطانية اتخاذ السياسات والإجراءات التي تضمن حماية أمنها ومواطنيها خاصة بعد أحداث لندن في السابع من تموز المنصرم، لكن تصريحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يوم الجمعة المنصرم تحمل مؤشرات خطيرة ومتعددة حول حالة الحقوق والحريات المدنية في بريطانيا في المرحلة القادمة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع العرب والمسلمين هناك. فقد اعتبر بلير أن قواعد اللعبة السابقة قد تغيرت، وأعلن عن نية الحكومة تعديل القانون حول حقوق الإنسان لتسهيل طرد من وصفهم بالمحرضين على العنف. ومن المتوقع أن تنال الإجراءات التي بدأ تطبيقها بعد أحداث لندن في السابع من تموز إلى ترحيل عشرات الإسلاميين والمعارضين العرب الذين لجأووا إلى بريطانيا خلال العقد السابق بحثا عن مساحة أكبر من الحرية السياسية والحق في التعبير دون خوف من مساءلة ومحاسبة واستحقاقات تصل إلى أقصى درجات الانتهاك لحقوق الإنسان في بلدانهم، أما الحديث عن ضمانات تتلقاها بريطانيا من حكومات المرحلين تتعلق بمعاملة إنسانية ومحاكمات عادلة، فبلير يعرف تماما أن هذه الضمانات لا قيمة عملية لها بمجرد أن تستلم بعض الدول هؤلاء المرحلين لتتم عملية تصفية الحساب القديمة معهم!.

    بالتأكيد لم يصن العديد من المعارضين المهاجرين تلك المساحة من الحرية، وأساءوا لها من خلال أفكار وممارسات تحض على الكراهية والعنف وتشجع العمليات الإرهابية هنا وهناك، وتتجاهل أن هناك شروطا قانونية وأخلاقية للحرية الممنوحة لهم. لكن هذا لا يعني أن يفتح الباب على مصراعيه لتصادر الحريات والحقوق المدنية والسياسية الممنوحة لمئات المعارضين والإسلاميين المهاجرين والمطاردين من بلادهم بسبب رأيهم المعارض، والخوف المبرر الآن أن تكون هذه الظروف بمثابة المهماز الذي يؤدي إلى تسليم العديد من المعارضين الإسلاميين إلى بلدانهم تحت داعي الشبهة أو تهمة التحريض أو تأييد "الإرهاب" دون توافر أدلة قانونية معتبرة. ويمكن التقاط مبررات هذا التخوف "أخذ الكل بجريرة البعض" من تصريحات بلير ذاتها عندما أبدى انزعاجه ممن يربطون تفجيرات لندن بالحرب على الإرهاب، وبالضرورة هناك اتجاه واسع وعريض من المثقفين والمعارضين العرب والمسلمين -والغربيين كذلك- يربطون العمليات الأخيرة بسياسات الحرب على الإرهاب التي توفر التربة الخصبة لنمو بذور الغضب الإسلامي. فهل سيعتبر هذا الاتجاه بأسره محرضا على الإرهاب ويكون أصحابه عرضة لإجراءات تعسفية بحجة الحفاظ على الأمن وحماية البريطانيين؟!.

    يبدو واضحا من خلال المعطيات الحالية أن المعارضين والمثقفين العرب والمسلمين سيخسرون الفرصة الكبيرة التي وفرتها لهم لندن خلال السنوات السابقة، لكن الخوف الأكبر أن تكون الإجراءات التي أعلن عنها بلير مؤخرا مقدمة لمرحلة عصيبة من وجود انتهاكات وتجاوزات في مجال الحريات المدنية وحقوق الإنسان لغالبية العرب والمسلمين في بريطانيا وربما في القارة الأوروبية بأسرها، في حالة شبيهة لما حدث في الولايات المتحدة.
    فلقد أدت أحداث 11 أيلول 2001 وما رافقها من حملة إعلامية وسياسية واسعة إلى خلق حالة من الرعب والهلع في المجتمع الأميركي بذريعة "العدو بيينا"، فتحت هذا العنوان استبيحت الحريات المدنية وحقوق الإنسان ووضعت العديد من التشريعات التي تقنن هذه الانتهاكات بحجج قانونية واهية، ولم تكتف الإدارة الأميركية بقانون "الدليل السري" الذي اخترع عام 1996 وبررت بسببه العديد من الانتهاكات ومصادرة حرية عدد من العرب والمسلمين، بل أضافت الإدارة الأميركية ما يسمى بقانون Patriot Act في 26/10/2001 أي بعد فترة قصيرة على الأحداث، واستخدم هذا القانون لتبرير حالة تاريخية استثنائية في تجاوز الحريات المدنية في الولايات المتحدة، إذ لم تعد حرمة البيوت والأسرار الشخصية لآلاف الأشخاص في مأمن بسبب هذه القوانين، التي قننت لآلاف الحالات من التنصت على المكالمات وعلى البريد الورقي والالكتروني واستباحة الأسرار والمعلومات الشخصية لكثير من الناس لمجرد الاشتباه وربما بسبب الدين واللون والعرق، وبدا جزء من مشهد الحريات المدنية هناك شبيها بحالة الدول السلطوية في العالم الثالث.
    ووفقا للعديد من الخبراء والمثقفين الأميركيين فإن حالة الحريات المدنية والإعلامية تعرضت داخل الولايات المتحدة ذاتها إلى انتهاك كبير لم يسبق له مثيل في العقود الأخيرة سوى ما كان يسمى بالإجراءات "المكارثية" ضد الشيوعيين الأميركيين، ولم تؤثر هذه السياسات الجديدة على العرب والمسلمين وحدهم، بل شملت أيضا الأميركيين المعارضين لسياسات بوش والمحافظين الجدد إذ تعرضوا بدورهم لهجوم إعلامي وسياسي كبير. ومن أبرز الكتب التي ناقشت بجرأة وعمق هذه الانتهاكات وفلسفتها كتاب المفكر الأميركي المعروف ناعوم تشومسكي بعنوان "السيطرة على الإعلام" الذي ترجمته إلى العربية الصحافية المصرية الزميلة أميمة عبداللطيف، وقد علمت من أساتذة في كليات الإعلام الاميركية أن هذا الكتاب أصبح يدرّس في بعض كليات الإعلام هناك لشرح القيود والحدود الجديدة على الحريات المدنية الأميركية وبالتحديد الحرية الإعلامية. وقد رصدت دراسات متعددة مئات التجاوزات من قبل السلطات لها، كما أكدت على هذه التجاوزات منظمة "صحافيون بلا حدود" في بعض التقارير الصادرة.

    وتبدو المفارقة المدهشة في تهافت الدعاوى الأميركية التي ترى أن مواجهة الإرهاب في العالم العربي تكمن بالإصلاح السياسي وممارسة الضغوط على الدول العربية للمضي قدما في الانفتاح السياسي والإعلامي واحترام الحريات المدنية والسياسية وحقوق الإنسان، في ذات الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا والعديد من الدول الغربية إصدار تشريعات تصادر وتختزل هذه الحريات بذات الحجج التي تستند عليها النظم العربية التسلطية على قاعدة "مصادرة قليل من الحريات من أجل كثير من الأمن". فهذا المنطق الفضفاض هو الذي يؤدي إلى أن تنقلب الآية لتمارس النظم التسلطية العربي ضغوطا على الدول الغربية كي تضع قيودا كبيرة على الحياة الديمقراطية والحرية الموجودة هناك بحجة الحرب على الإرهاب وحرمان الأصوليين من أراض آمنة تحت الشعار الذي يردده أنصار المحافظين الجدد "إنه الأمن يا غبي"!.
m.aburumman@alghad.jo 

التعليق