المعركة التي لم يخضها فهد بن عبدالعزيز

تم نشره في الأحد 7 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

   لم يكن الملك فهد بن عبدالعزيز، الذي غيبه الموت يوم الإثنين الماضي، مجرد زعيم عربي مارس السلطة بشكلها المطلق ما يزيد على عشرين عاما، أي منذ اغتيال الملك فيصل في العام 1975 وحتى بداية مرضه أواخر العام 1995، وهو المرض الذي جعل ولي عهده، الأمير عبدالله، يدير الشؤون اليومية للمملكة. كان فهد بن عبدالعزيز زعيما استثنائيا بكل معنى الكلمة، حتى انه يمكن اعتباره من الزعماء والقادة المؤسسين في المنطقة، أولئك الذين وضعوا اسساً وركائز لدولة، ووفروا لها مقومات الاستمرار.

    باختصار، أسس فهد بن عبدالعزيز السعودية الحديثة. وشاءت الأقدار أن يحرمه المرض من استكمال مهمته، في وقت كانت المملكة أحوج ما تكون الى عقله المستنير والعصري في الحرب التي تشنها على الإرهاب. فقد كان فهد بن عبدالعزيز رجلا بكل معنى الكلمة، من زاوية السير الى النهاية في خياراته متى اتخذ قراره. وظهر ذلك جليا منذ كان وزيرا للتربية، عندما خاض معركة تعليم البنات... وبعد ذلك، اي عندما امتلك القرار السياسي كله، خاض بنجاح المعارك التي هددت السعودية والمنطقة؛ فاحتوى منذ اواخر السبعينيات المحاولات الإيرانية لتصدير الثورة، بكل ما تمثله هذه المحاولات من أخطار على أمن الخليج تحديدا، والأمن العربي عموما، إضافة بالطبع الى الفتنة المذهبية، التي لم تكن تهدد منطقة الخليج وحسب، بل المنطقة العربية كلها أيضاً. هل صدفة تلك الهجمة التي استهدفت السفارات العربية في بيروت منتصف الثمانينيات، ما أدى الى إغلاق سفارات عدة، بينها السفارات السعودية والمغربية والأردنية، وكأن الهدف وقتذاك اخراج كل وجود عربي من لبنان؟! الا يذكر ذلك بما يحصل حاليا في العراق؟

    لا شيء يحدث في الصدفة في منطقتنا العربية. ولأن فهد بن عبدالعزيز كان يدرك ذلك، لم يترك شيئاً للصدفة، وهو عالج الخطر الإيراني في حينه بالطريقة التي كان يجب أن يعالج بها. كان ذلك عن طريق الاستيعاب في معظم الأحيان، وعن طريق التأكيد لإيران، المرة تلو الأخرى، أن تصدير الثورة ليس نزهة، إضافة الى أنه ليس في الإمكان المزايدة على السعودية إسلاميا.

   فشلت إيران في تصدير ثورتها، واضطر آية الله الخميني، في نهاية المطاف، الى ابتلاع كأس السم، وذلك عندما وافق على وقف لإطلاق النار في حربه مع العراق، وهي حرب أدرك بعد فوات الأوان أنه لا يستطيع كسبها، أو بالأحرى ليس مسموحا له بكسبها في ظل المعطيات الدولية القائمة. إنها معطيات كان فهد بن عبدالعزيز من اكثر زعماء العالم قدرة على فهمها واستيعابها. وسمحت له تلك القدرة، لاحقا، على إدراك العمق الحقيقي للمغامرة المجنونة التي أقدم عليها صدام حسين عنما احتل الكويت، غير آبه بكل القيم العربية، أو بالتوازنات الإقليمية والدولية، وبما كان يشهده العالم من تحولات أقل ما يمكن أن توصف به أنها تاريخية. كان صدام المسكين، بين كثيرين في عالمنا العربي، غير مدرك أن الحرب الباردة انتهت بانتصار الولايات المتحدة في اليوم الذي سقط فيه جدار برلين خريف العام 1989، وأن مسالة انهيار الاتحاد السوفياتي مسألة وقت ليس إلاّ. لم يأخذ صدام علما بما يحصل في العالم، في حين كان فهد بن عبدالعزيز في قلب المعادلات الدولية، وهو ما سمح له باتخاذ قراره التاريخي باستقبال القوات الدولية والعربية التي حررت الكويت انطلاقا من الأراضي السعودية، وأعادتها الى أهلها الذين وقفوا وقفة الرجل الواحد في وجه المحتل، بكل ما يمثله من جنون ووحشية وتخلف. إنه أحد أجرأ القرارات في التاريخ العربي الحديث؛ ذلك أن مثل هذا النوع من القرارات لا يتخذه سوى رجال الدولة الحقيقيين، اولئك الذين ولدوا لقيادة الشارع وليس للانقياد له.

    ولعل تلك القدرة الفريدة من نوعها على قراءة الأحداث وفهم المعادلات الدولية، هي التي سمحت للعاهل السعودي الراحل باختيار الوقت المناسب كي تستضيف بلاده مؤتمر الطائف الذي أنهى حرب لبنان وحروب الآخرين على أرض لبنان. وكان الطائف مؤشرا الى ان رياحا جديدة تهب على الشرق الأوسط، خصوصا بعدما تبين لاحقا أن الطائف لم يكن مجرد اتفاق بين اللبنانيين، أو اتفاقا لبنانيا بغطاء عربي. تبين أن اتفاق الطائف، الذي رعاه الملك فهد، كان اتفاقا يحظى برعاية دولية، والدليل على ذلك أن سورية نفسها، التي حاولت طوال سنوات التملص من التزاماتها بموجب الطائف، ما لبثت أن نفذت انسحابها من لبنان استنادا الى القرار 1559 وما كان يفرضه عليها الاتفاق، وذلك بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاما على التوصل اليه.

    وربما كانت تلك القدرة أيضا هي التي جعلت السعودية بقيادة فهد تدرك، قبل فوات الأوان، مخاطر حرب الانفصال في اليمن، فلم تذهب، خلافا للتوقعات، الى حد الاعتراف بالجمهورية التي أعلنها الانفصاليون. وساهم موقفها في إفشال المؤامرة التي تعرضت لها الوحدة، التي عرف اليمنيون كيف يحافظون عليها ويدافعون عنها. ومهد موقف فهد، الذي كبح السائرين في اتجاه مزيد من التورط في اليمن، لوضع حجر الأساس لاتفاق رسم الحدود بين البلدين، وهو اتفاق راهن كثيرون على أن الوصول اليه من المستحيلات.

    كانت لفهد بن عبدالعزيز صولات وجولات على صعيد كل ما له علاقة بتسوية الخلافات العربية، بما في ذلك الخلاف المغربي-الجزائري في شأن الصحراء الغربية. واذا كان العاهل السعودي الراحل لم يتمكن من التوصل الى حل نهائي لتلك القضية، إلا ان تدخله حال -بلا شك- دون تصعيد بين الجانبين كان يمكن أن يؤدي الى ما لا تحمد عقباه. انطلق فهد من مشكلة في غاية التعقيد بين المغرب والجزائر للوصول الى حلول في مصلحة الجانبين، نظرا الى أنها تخلق مصالح مشتركة بينهما. إنها حلول لا مفر للبلدين من العودة اليها يوم يكتشفان أن لا خيار أمامهما سوى خيار التعاون والتكامل، وانه كلما جاء ذلك باكرا، كانت الفائدة أكبر لكل منهما.

     بنى فهد بن عبدالعزيز السعودية الحديثة، أقام بنية تحتية متطورة للبلد سمحت له بالانتقال الى القرن الواحد والعشرين، ورسم له حدوده مع جيرانه، واقام شبكة واسعة من العلاقات الدولية شملت ما كان يعتبر في مرحلة معينة من المحظورات، أي التعاطي مع بكين وموسكو، في وقت لم تكن للرياض حتى علاقات ديبلوماسية معهما. وحبذا لو أتاح المرض للراحل الكبير خوض آخر معاركه الكبيرة مع الإصلاحات الداخلية ومع الإرهاب في آن. إنها المعركة التي سيتوجب على خليفة فهد، الملك عبدالله وولي عهده الأمير سلطان خوضها. عليهما المباشرة بالإصلاحات التي تأخرت كثيرا، كما عليهما الإجابة عن اسئلة متنوعة، تبدأ بمعالجة المشاكل التي يعاني منها المجتمع، وفي أساسها التعليم والبرامج التربوية ودور المرأة، في إطار سياسة مكافحة الإرهاب واجتثاثه من جذوره... وتنتهي بالقدرة على استعادة الدور السعودي على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتوسيع شبكة العلاقات مع المحيط العربي، المباشر وغير المباشر.

    إن إرث فهد بن عبدالعزيز غني وضخم بالمعنى الإيجابي للكلمة. يكفي أنه كان يستطيع اتخاذ قرارات لا يجرؤ غيره على اتخاذها، بعيدا كل البعد عن التهور والخفة، وهذا ما يجعل منه من فئة نادرة من الزعماء، جمعت بين الذكاء الحاد والفراسة والواقعية والجرأة والصدق والوفاء والكرم والإنسانية، فضلا عن البقاء على تماس مباشر مع ما يدور في المنطقة والعالم. وهذه الصفات، وعلى رأسها صفة القيادة، مكنت المملكة العربية السعودية من أن تتجاوز بسلام بعض أخطر الازمات التي مر فيها الشرق الأوسط، بعد إعادة تشكيله مطلع العشرينيات اثر انهيار الدولة العثمانية. أوليس ذلك كافيا للاعتراف بمدى الخسارة التي لحقت بالمملكة العربية السعودية وبالعرب، وبمدى صعوبة التعويض عنها في ضوء غياب فهد بن عبدالعزيز؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق