التعليم العالي في الأردن.. لا مكان للفقراء!

تم نشره في السبت 6 آب / أغسطس 2005. 03:00 صباحاً

 
   في بواكير عملية "تحرير" التعليم العالي في الأردن والتعامل معه باعتباره سلعة خاضعة للعرض والطلب، كنت مراسلا أغطي هذا القطاع في صحيفة "الرأي". وبقدر ما كنت أصغي لأنّات المواطن الشاكي، بقدر ما كنت أستمع لتصريحات مسؤولي التعليم العالي والجامعات، والتي تتحدث عن التطوير من خلال التحرير. فالدعم الحكومي جعل الجامعات متواكلة بانتظار الدعم، وتحريرها منه سيطور قدراتها في الإبداع والتجديد، وتخريج كفاءات قادرة على المنافسة في سوق العمل. كان المسؤول، سواء أكان رئيس جامعة أم وزير تعليم عال أم غيرهما، ينتفض عندما تقول له أين يذهب الطالب الفقير؟! ويقدم وعودا مرسلة عن صناديق دعم للطلاب الفقراء  وتشغيل طلبة. وللأسف، وبعد زهاء عقد، لم يتحقق من الوعود شيء، مقابل حرمان أكثرية الناس من حقهم في التعليم، لا لسبب غير فقرهم.

    خلال العقد، فقدت البلاد كفاءات لم تدخل الجامعات، أو دخلت تخصصات رخيصة في جامعات متواضعة، قُذفوا بعدها لـ"غول" البطالة. وبُددت ملايين، تسيبا وهدرا وفسادا، كانت كافية لتلبية طموحاتهم، وتمكين المجتمع من الاستفادة القصوى من قدراتهم. في المقابل، لم يلمس المواطن عوائد التحرير، لا على الجامعات ولا على طلبتها، وغدت الجامعات العريقة تواجه منافسة غير عادلة مع جامعات القطاع الخاص الفتية.

    لا نتحدث عن فسطاطين، أغبياء أغنياء قادرون على مواصلة تعليمهم، وفقراء أذكياء غير قادرين، بل نتحدث عن مستويات متداخلة متنوعة، كل مستوى يحتاج إلى تعامل مختلف. المستوى الأول، وهم المبدعون المتفوقون، هؤلاء سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، فمن واجب الدولة تبنيهم ورعايتهم. واجب الدولة أن تستثمر كل علاقاتها وثقلها لتلبية طموحاتهم.

    قبل زهاء خمس سنوات، كتبت عن طالبة حصلت على المرتبة الأولى في الفرع الأدبي على مستوى المملكة، تلك الطالبة اسمها "منى المومني"، ولا أعرف أين انتهت بها رعاية أبطال تحرير التعليم العالي؟! كان طالب مثلها لا يحصل على أي دعم مادي أو معنوي، كل ما كان يُقدم رسوم الفصل الدراسي في الفصل التالي، أي مبلغ مالي لا يتعدى عُشر تكاليف التعليم! كيف سيبدع الطالب وهو يفكر في تأمين ثمن مواصلاته وسكنه وغذائه... ناهيك عن الكتب والكمبيوتر ومستلزمات المختبرات…؟!


    هذا المستوى يفترض أن يغدق عليه بلا حساب، ولا يجوز أن يضن مجتمع على مبدع بأي حجة كانت. ثمة مستويات أخرى أقل إبداعا يمكن التعامل معها وفق قاعدة العدالة؛ بمعنى تأمين إعفاء من الرسوم ومبالغ معقولة، نزولا إلى تأمين خصومات وتقديم قروض معقولة وبرامج تشغيل… وهذا لا يتم بالتمنيات، بل بالقوانين والتشريعات التي تضبط القطاعين العام والخاص. 


    الجامعات الحكومية العامة، التي جمعت مبالغ طائلة من خلال احترافها في برامج التعليم الموازي والدولي...، عليها في المقابل أن تقدم جزءا من هذه المبالغ  إلى المبدعين الفقراء، على الأقل تقديم إعفاءات من الرسوم، أو خصومات أو قروض. والقطاع الخاص لا يقل أهمية، فلا يعقل أن يجني أرباحا "مليونية" دون أن يقدم شيئا للمجتمعات التي يعمل فيها! إذ لابد من تخصيص نسبة محددة ثابتة من الأرباح لدعم الإبداع.

    أعلم أن كثيرا مما اقترح يطبق، بصيغة أو أخرى، في الجامعات العامة والخاصة، لكنه يظل في سياق التزيين والتجميل ولا يغير من الحقائق على الأرض. فما يجري جريمة بحق الفقراء، ومن لا يصدق فليجر استطلاعا على الطلبة الذين أنهوا الثانوية العامة بتفوق أو نجاح، ليعلم كيف بدأت تتحول أفراحهم إلى أحزان وهم يتمعنون بقائمة أسعار التخصصات في الجامعات العامة الحكومية، قبل أن يضطروا إلى قراءة أسعار الجامعات الخاصة.
yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »to get a degree (M. Mohamadiyeh)

    السبت 6 آب / أغسطس 2005.
    What poor people need to get a university degree is funding / financing corporates not legislation nor gifts