إبراهيم غرايبة

مكافحة الإرهاب بالإعلام والمؤتمرات

تم نشره في الاثنين 1 آب / أغسطس 2005. 02:00 صباحاً

 هل يتوقع أحد أن جماعات العنف والتطرف ستجري مراجعة لأفكارها ومواقفها وتعيد حساباتها بعد مؤتمر شرم الشيخ؟ وهل تؤثر شيئا الجهود الإعلامية التي تبذل في التصدي لظاهرة العنف والتطرف؟ هل غيرت شيئا في أفكار ومواقف أتباع الجماعات؟ وهل يأخذون هذه المؤتمرات والكتابة والمقابلات على محمل الجد؟ أم أنها طقوس وبرامج لرفع المعنويات؟ أم أنها تستهدف أولئك الناس من غير المتطرفين حتى ينقص مؤيدو التطرف، وينفضوا من حول هذه الجماعات؟

     شخصيا فإني سأكون من أكبر المستفيدين والمتحمسين إذا كانت الكتابة الصحافية تفيد بالفعل في مكافحة الإرهاب، وبالطبع فإن ردا بدهيا ومنطقيا على هذه المقولة: ماذا ستكون الحال لو أن الإعلام كان مؤيدا للإرهاب؟ ستكون بالتأكيد حالة من الهستيريا والتنامي في العنف والتطرف، ولكن يبدو أنه مسار في اتجاه واحد. الإعلام المؤيد يزيد العنف والتطرف، ولكن الإعلام المعارض للعنف والتطرف لا يؤدي في المسار الإيجابي المفترض ما يمكن أن يؤديه الإعلام المتطرف.

     يصف وولفويتز، نائب وزير الدفاع السابق في الولايات المتحدة الأميركية والرئيس الحالي للبنك الدولي، الحرب الدائرة اليوم بأنها حرب أفكار، والواقع أنه توصيف بالغ الدقة، فلعلها الحرب الأولى في التاريخ التي تؤدي فيها الأفكار ووسائل الإعلام والاتصال الدور الأكبر في مسار الحرب ونتيجتها.

     فلماذا يسود اعتقاد بأن الأدوات الفكرية والإعلامية المتبعة في حرب الأفكار تبدو عقيمة أو عاجزة أو تسير في وجهة مختلفة عن أهدافها؟ السبب ذاتي وليس موضوعيا، فالإعلام والمؤتمرات والبرامج الفكرية والسياسية يمكن أن تفعل الكثير، لكنها لا تنشئ الفعل والمبادرات، بل هي تصاحبها بالتغطية والمراقبة والنقد والتأييد والتحليل، وهنا يكون موضع اللبس والخلط. فالأصل أن مكافحة الإرهاب والتطرف والعنف يقع في برامج ومشروعات سياسية ومجتمعية وتعليمية، في الإدارة والحكم والتعليم والمساجد والمجتمعات والأسر والتشريعات والتنمية، وتكون البرامج الإعلامية مصاحبة لهذه الأعمال، فإن لم تكن موجودة أو كانت ضعيفة أو تسير في الاتجاه الخاطئ فلن يفيد الإعلام في شيء.

     فالإعلام يفيد ويضر بمقدار ما يفيد أو يضر المريض ما يقدمه له الناس من رعاية واهتمام أو إهمال ونسيان، صحيح أنهما حالتان تؤثران كثيرا على المريض، سلبا أو إيجابا، لكنهما لن يفيدا في معالجة انسداد الشرايين أو انخفاض الضغط أو ارتفاع درجة الحرارة.

هذه "لكن" المزعجة، والتي تجهض الحملات والمواقف والمؤتمرات والأفكار برأي أصحابها، لا يفيد غيابها الجهود التي يظن أنها تكافح الإرهاب، فهي تعبر عن خلل أو فساد في الحملات السياسية والإعلامية، لأن الجماعات القابعة في السراديب والأقبية والمجهول ليست متضررة بالتأكيد منها، ولا هي قلقة بشأنها. المسألة تحتاج إلى عمل في مسارين، الأول تضعه الحكومات والجماعات والنقابات والأحزاب والمؤسسات التعليمية والتثقيفية لتأهيل المجتمعات وتطوير ثقافتها وسلوكها، والثاني مرافق للأول تتولاه مؤسسات الإعلام والمؤتمرات والندوات والحوارات لتفعيل المسار الأول وتطويره ومراقبته وتقويمه.

   نحتاج إلى تغذية راجعة، علمية ومنطقية، تقيس فاعلية وأثر الجهود الإعلامية والمبادرات السياسية التي تبذل في مكافحة الإرهاب، وتحديد وقياس المدى الذي تصله هذه الجهود وتؤثر فيه، والمجال الغائب عنها أيضا، وتقدير مصداقيتها وقبول الناس بها بالفعل واحترامهم لها.

ويحتاج الصحافيون والسياسيون إلى تأهيل سريع ليتعلموا الاستماع الفيزيائي بآذانهم، ويقوموا بعمليات دؤوبة ومتواصلة من معرفة وفهم أفكار الناس، بالمهارة نفسها أو قريبا منها على الأقل التي يتبعها المسوقون ومنتجو السلع، إذ يبدو أن هذه الفئة أقدر من الحكومات على معرفة اتجاه الناس ورغباتهم.

    وأخيرا، فإن السؤال المهم والموجع، والذي لا نحب نحن الإعلاميين الإجابة عليه ولا التفكير فيه: هل العاملون في الإعلام مؤهلون مهنيا ورساليا وأخلاقيا بدرجة كافية للتصدي لقضية مثل الإرهاب والعنف والتطرف؟ أم أنهم جماعات من الموظفين تغلب عليها أو تكثر فيها الأمية والتحيز والكسل الفكري والحركي؟

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق