"اضرب ابن الأكرمين.." من معان إلى دير غبار

تم نشره في السبت 30 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

 

    اكتسب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حضورا فريدا في التاريخ العربي الإسلامي, ليس لأنه ثاني الخلفاء الراشدين, ولا لأن القرآن الكريم كاد يتنزل على لسانه فحسب, ولكن لأنه " الفاروق" الذي يفرق بعدله وحزمه بين الحق والباطل, وهو صاحب المقولة التي سبقت منظري عصور التنوير الأوروبية " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!".

 

    تلك المقولة التي اختارها المفكرون الذين أعدوا تقرير التنمية الإنسانية, الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي , غلافا لتقريرهم عن الإصلاح السياسي في العالم العربي, أطلقها الفاروق عندما اقتص من ابن والي مصر عمرو بن العاص, والقصة التي درسناها في المراحل الابتدائية تتلخص في أن ابن الوالي تسابق مع فتى قبطي في مصر, وبعد أن سبقه القبطي ضربه ابن الوالي, ولم يُقتص منه لأنه "ابن الأكرمين".

 

    وبغياب شبكات الاتصال الحديثة المعولمة وصل الخبر للفاروق. فاستدعى الوالي وابنه والفتى القبطي. خاطب القبطي "اضرب ابن الأكرمين" وبعد أن اقتص من ابن الوالي طلب منه أن يضرب الوالي ذاته الذي تغاضى عن جهالة ابنه فرفض القبطي مكتفيا بالقصاص العادل, وخاطب الفاروق والي مصر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا !".

 

    العودة للتاريخ ضرورية لمعالجة وقائع نعانيها اليوم. فالدولة هي التي تحتكر القوة المنظمة, وهي الجهة الوحيدة المخولة بتطبيق القانون بالقوة على كل مواطن بمساواة بمعزل عن أصله وفصله وموقعه. وترددها في تنفيذ القانون يساوي تعسفها في تطبيقه. وقد أثبت مدير الشرطة الحالي حزما في تطبيق القانون على العتاة الخارجين عليه, وهو حزم عرَضه  لشيء من نقد لكنه في المقابل جلب إليه ثناء يستحقه. وقد سمعت في معان مديحا للرجل الذي "نظَف" المدينة من العتاة المطلوبين الذين ظل بعضهم بمنأى عن قبضة العدالة سنين عددا.

 

    وقد عادت بي الذاكرة إلى حادثة بسيطة شهدتها معان قبل أكثر من عام, تمثلت في تصرف أرعن من شاب هاجم أحد البيوت, وعندما تأخرت الشرطة في تنفيذ القانون لحسابات غير صحيحة تفاقمت الحادثة وغدت كارثة أحرقت فيها مخازن تعود لأقارب الجاني تقدر قيمتها بمليون دينار.. أمام ناظر الشرطة. يومها كتبت أن الشرطة تتدخل في معان في الوقت الذي لا يلزمها القانون بالتدخل وتتقاعس في الوقت الذي يلزمها القانون أن تتدخل. مثل هذه الحادثة لم تعد تتكرر في معان  والناس شاكرين حامدين للوضع الجديد.

 

     لكن ما شهدته عمان وفي أرقى أحيائها "دير غبار" حيث الديبلوماسيون ورجال الأعمال والطبقة المخملية الأيام الماضية يحتاج إلى تفسير. فأن تهاجم ثلة من الشباب السهارى شابا أمام منزله ويشبعونه ضربا وإهانات ويشهر أحدهم السلاح عليه.. ويبقون طلقاء يعني أننا في مجتمع يسوده قانون القوة لا قوة القانون. لتأخذ الأعراف العشائرية دورها في تهدئة الخواطر وإصلاح ذات البين ورد الاعتبار للطرف المظلوم لكن في المقابل ليأخذ تطبيق القانون مجراه حماية للجناة أنفسهم قبل المجني عليه. سمعت من ذوي المجني عليه كلاما عاقلا فهم لا يريدون أن يأخذ ابنهم حقه بيده, ولا أن تأخذ عشيرته حقها بيدها هم يريدون تطبيق القانون, فالدستور وهو عقد المواطن مع الدولة جعل المواطنين أمام القانون سواء , وعشائريا الطرفان من"الأكرمين" ولا فضل لعشيرة على أخرى.

 

     الشرطة هي رمز الدولة الحديثة لأنها تجسيد لقوة القانون وسيادته. وانتهى زمان كان فيه فرسان العشائر يطبقون من على ظهور الخيل مبادئ العدالة على قاعدة النخوة والشهامة. وفي بلد حديث, يفترض أن  "ينتخي" عامل وافد أو خادمة آسيوية أو سائح غربي بأقرب دورية شرطة ولا يبحث ابن البلد عن فزعة من أبناء عشيرته. لقد شهدت في بيوت حديثة في عمان "عطوات" يفترض ألا تكون, وبدلا من إضاعة وقت الناس في التحشيد  للعطوة الكريمة وعلك الكلام الممل المعاد بإمكان مدع عام وشرطي حل أكبر مشكلة من دون "العطوات الكريمة" التي تنتهي بشرب القهوة على حساب القانون.

 

     أعرف تماما أن الشباب "الجهال" يتسببون بمشاكل لا تمثل ذويهم, ومن تجربة شخصية عايشت تجربة مريرة قتل فيها ابن عم لي, وهو طالب في المدرسة لم يبلغ الأهلية القانونية, ابن عمه على خلاف تافه داخل سور المدرسة, وعلى رغم مرور سنوات لا يزال الوالد والأسرة "جاليين" في وادي موسى. ولم تفلح الجاهات في إنهاء الترانسفير الجماعي.

 

     من مصلحة الجميع أن يطبق القانون, ويبقى للأعراف العشائرية دورها في ترطيب الأجواء والتحكيم ورد الاعتبار والمصالحة وما إلى ذلك من إضافات تخدم القانون ولا تناقضه. والعشائرية في الأردن ظلت تاريخيا تقوم على قاعدة " القوة الأخلاقية " وليس على التجبر والظلم والاستقواء. هنا أعود للتاريخ القريب, في كتابه "مغامرات في بلاد العرب" يذكر الرحالة الأميركي "ويليام ب. سيبروك" قصة سبقت وصوله إلى مضارب بني صخر في عشرينيات القرن الماضي عندما قطعت عليه الطريق, خاطب الخيالة الستة المسلحين بعربية رديئة وبمساعدة المترجم :" أنا بوجه البدو, وما يشفع لي عندكم أنني ما جئتكم مسلحا, ولا في حماية الآلات الفرنجية الطائرة, بل في حماية شرائع صحرائكم. إنني في ضيافة بيوت الشعر, وأنا قاصد أخي الشيخ مثقال الفايز, شيخ الشيخان.." طبعا أكمل الرحالة مسيره إلى الشيخ مثقال وكتب كتابا من أجمل كتب الرحلات, لأن الفرسان المسلحين يتخلقون بأخلاق الصحراء وشرائعها التي لا تجيز مهاجمة أميركي أعزل!

 

    المشكلة أن تكون في "دير غبار" وبجوار السفارة الأميركية وعبدون مول وبلوفيج وتنسى أنك في دولة حديثة تماما كما تنسى انتسابك إلى قيم الصحراء. المأمول والمتوقع أن تنتهي حكايتنا وفق مقتضيات الدولة الحديثة وقيم الصحراء في القرن الماضي أو في قرن عمر الفاروق, أي أن الجميع أحرار وأبناء الأكرمين.

 yasser.hilala@alghad.jo

 

 

التعليق