فانتازيا التعبير عن ضمير الشعب!

تم نشره في الخميس 28 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    يلجأ كثير من السياسيين الى إخفاء ميولهم ورغباتهم العقائدية والضيقة خلف مقولة مستهلكة مفادها أن مواقفهم وتصريحاتهم تعبر عن ضمير الشعب. ويزداد الأمر سوءا عندما لا يرى هؤلاء السياسيون غير ذلك وعندها يتكون لديهم نظام معتقدات مغلق لا يسمح لهم استيعاب رياح التغير إن هبت. ويرى هؤلاء السياسيون أن من يختلف معهم هو خارج الإجماع الوطني العريض الذي لا يوجد الا في مخيلاتهم. ولعل ادعاءات بعض الأنظمة العربية عن تعبيرها وحدها عن المصلحة القومية العربية العليا لم تسعفها على الإطلاق في فهم التغيرات الدولية وبالتالي أخذت هذه الأنظمة دولها معها إلى الهاوية في شتى المقاييس.

    لكن ادعاء التعبير عن الأمة لم يعد امتيازا للساسة العرب على مرّ العصور. فقد انتقل هذا الفيروس إلى إسرائيل حديثا خاصة مع اشتداد حرارة الجدل العام المتعلق بإخلاء المستوطنات في غزة. آخر هذه التصريحات النارية والمثيرة للشفقة ادعاء موشيه كتساف، رئيس دولة إسرائيل، بأن حركة الاستيطان في الضفة الغربية إنما تعبر عن ضمير الأمة اليهودية. ويذكر أن الرئيس كتساف كان مرشح الليكود لرئاسة الدولة وهو رئيس دولة يميني بامتياز.

    ويثير تصريحه حول الآلام التي سيمر بها المجتمع المستوطن وهو "يقلع" من البيوت التي بناها في الضفة الغربية وقطاع غزة وحول ما يراه من تماهي المجتمع الاسرائيلي مع المستوطنين الكثير من الجدل داخل إسرائيل حول دور الرئيس السياسي. ومن المتعارف عليه أن رئيس الدولة هو أب للجميع وغير مقبول مناصرة رئيس الدولة لفئة على حساب فئة أخرى. وعندما تمادى عايزر وايزمان في انتقاداته لنتنياهو إبان تراجع المسيرة السلمية وقفت بوجهه الكثير من القوى تنادي بلجمه لأنه يتدخل غير ما نص عليه القانون الذي يؤكد على حيادية رئيس الدولة. وقد اضطر عندها وايزمان إلى التراجع ودفع ثمنا باهظا لموقفه ذلك.

     وعندما تدور معركة واضحة بين الحكومة وغالبية الشعب من جهة وأقلية من المستوطنين حول شرعية الحكومة في تنفيذ قرار صادقت عليه الحكومة والكنيست المنتخبان نجد هذا الرئيس يتكلم مناصرة للمستوطنين. ويكثر الحديث عن التنازلات المؤلمة التي ستدفعها إسرائيل ولا نجد مقالة واحدة على سبيل المثال تتحدث عن المعانة الطويلة لأعداد ضخمة من الفلسطينيين الذين اقتلعوا من بيوتهم لمدة ما يقرب من 60 عاما. ومن المثير حقا رأي الرئيس كتساف الذي ينادي بالاعتذار للمستوطنين لأنهم يمثلون روح الأمة اليهودية على حد تعبير كتساف. ولكن لماذا لا يتم الاعتذار للفلسطينيين الذين صودرت أراضيهم عنوة والذين طردوا منها شر طردة؟

     هل فعلا يستحق المستوطنون اعتذارا من الإسرائيليين؟ إجابة هذا السؤال بنعم أو لا تعتمد على أي سياق نتحدث به. أولا، لا يمكن فهم الاعتذار للمستوطنين على خروجهم من أرض اغتصبوها وأقاموا فيها مستوطنات وتجمعات سكانية بشكل يخالف القوانين والشرعية الدولية. فجميعنا يعرف انه وفي ظل القانون الدولي فإن المستوطنات هي غير قانونية. وهذا هو موقف الولايات المتحدة حتى عهد قريب. وتراجع الولايات المتحدة عن موقف إدانة المستوطنات والحديث فقط عن عدم توسيعها لا يجعل بأي شكل من الاشكال هذه المستوطنات شرعية.

    ثانيا، لا يمكن إلا تفهم بعض آراء المستوطنين وإن كنا نختلف، من حيث المبدأ، مع فكرة إقامة مستوطنات في أراض محتلة. فلسان حال المستوطنين يؤكد، وفي ظل اشتداد الحملة الدولية على مجتمع المستوطنين، على أن الحكومة تتحمل عبء مجيئهم الى هذه المناطق لإقامة مستعمرات استيطانية. وهذا الكلام، وإن كان لا يبرر استمرار الاستيطان، فهو صحيح. فما كان ممكنا لحركة الاستيطان أن تنمو بهذه الوتيرة لولا التشجيع والدعم السخي الذي قدمته الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة للقوى الاستيطانية، وما كان يمكن تصور أن تصل حركة "غوش إيمونيم" الاستيطانية الى ما وصلت إليه من نجاحات متتالية وكبيرة في الحقل الاستيطاني. بمعنى آخر، وكما أشارت الكثير من الدرسات الميدانية والمسحية في أن نسبة المستوطنين الذين أصروا على إقامة مستوطنات أو العيش بها لأسباب أيديولوجية هي أقل من الخمس، وأن البقية المتبقية ذهبت هناك بسبب الحوافز التي كانت الحكومات تقدمها.

    واستنادا إلى ذلك فقد وقع المستوطنون ضحايا لعبة الإغراء مما ادى إلى خلق كتلة حرجة داخل إسرائيل تعمل على خلق توتر في اسرائيل وتعمل أيضا على جعل السلام مع الفلسطينيين خيارا ذا كلفة سياسية عالية للمجتمع السياسي في اسرائيل. وهناك شبه إجماع في اسرائيل وخارجها في أن العقبة الأولى أمام قبول اسرائيل بمعادلة الأرض مقابل السلام هي انتشار المستوطنات في كل مكان من أراضي الفلسطينيين التي احتلت ثم صودرت.

    لا يمكن التعاطف مع المشروع الاستيطاني كما يتعاطف معه رئيس دولة اسرائيل وذلك لمسؤولية هذا المشروع الأخلاقية والعملية لانتشار ظاهرة العنف في العلاقة الفلسطينية الاسرائيلية. وكلام كتساف في نهاية الأمر هو كلام غير مسؤول وكنا سنحترم جدا الرئيس كتساف لو أبدى تعاطفا واعتذارا للفلسطينيين على ما لاقوة من تعذيب واضطهاد وما دفعوه من ثمن باهض لمغامرات حركة الأقلية الاستيطانية المدفوعة بأيديولوجيا تستلزم سرقة أراضي الغير وطردهم التدريجي من أرضهم وبلدهم.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية.

hassan.barari@algad.jo

التعليق