إبراهيم غرايبة

مكافحة الإرهاب والطريق الصحيح

تم نشره في الاثنين 25 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

    لا تبدو حتى الآن العمليات الإرهابية في مصر وبريطانيا وتركيا وسابقاتها أيضا تنتمي إلى شبكة واحدة، وتنتظمها جماعة واحدة، وتنسقها قيادة مركزية في مكان ما تدير الخطط والتمويل، وتصوغ البرامج والأفكار، كما الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر في أوائل التسعينيات، أو في الجماعات المسلحة الجزائرية، وإن كانت كذلك فإن المعلومات المتاحة حول هذه العمليات لا تشير إلى أن ثمة خيطا واضحا لدى الأجهزة الأمنية ينتظمها، ويمكن رصده ومتابعته، ولم تعد مقولة خبير البصمات وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابق عن ملاحظته لبصمات القاعدة في كل عملية يعلن عنها، لم تعد تقال تعليقا على العمليات الجديدة، بل ولم يعد يتذكرها أحد.

     لم يقل أحد بعد أن منفذي تفجيرات لندن تلقوا تدريبا في العراق، أو سافروا إلى هناك، أو أن أحدا من مدربي القاعدة في العراق أو في أفغانستان قد أعدهم لهذه العمليات، ولم يظهر حتى الآن في تفجيرات طابا وشرم الشيخ صلة بالعراق أو أفغانستان.

     ويبدو أننا على الأغلب نتعامل مع مرحلة جديدة من العنف لن تفيد السياسات المتبعة الأمنية والسياسية والإعلامية في مواجهتها، فهو عنف ربما يكون قائما على مثلث من الإتاحة والإعلام الشبكي والظلم والفساد المتمأسس والمتمكن، وربما لن يكون الحل إلا في مواجهة لينة قائمة على العدالة الاجتماعية وإعلام جديد قائم على الخدمة والتنمية والتعليم والتثقيف يدمج جميع فئات الناس على اختلاف دخولهم ومستوياتهم في فرص مرحلة المعرفة، لأن خروجهم منها يعني أيضا خروجهم عليها.

    على سبيل المثال فإن عملية التفجير التي أعلن عن اكتشافها في الأردن قبل وقوعها، والتي لو نفذت حسب المخطط المعلن عن اكتشافه فإن ضحاياها سيكونون عشرين ضعف عدد ضحايا حلبجة عام 1987، والتي احتاجت إلى دولة كبيرة وجيش قوي وشركات تصنيع متقدمة (شركة بكتل التي كان يرأس مجلس إدارتها جورج شولتز وزير الخارجية الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية)

    ولكن العملية التي أعلن عن اكتشافها احتاجت إلى 170 ألف دولار، وعشرة إلى خمسة عشر شخصا لتنفيذها، واستخدام مواد متاحة في السوق للأغراض العادية. ويقال إن عملية 11 أيلول كلفت نصف مليون دولار!، ولم يعرف بعد أحد شارك فيها غير التسعة عشر شخصا والذين قضوا في العملية.

      فالإرهاب لم يعد يحتاج إلى دول وإمكانيات فنية نادرة وتمويل كبير، ولكن ما يحتاج إليه فقط هو الكراهية والشعور بالإهانة والإحباط، وموقع على شبكة الإنترنت لا تزيد تكاليف تشغيله على المائة دولار، وجهاز وخط موبايل بثلاثين دولارا. تحتاج الأجهزة الأمنية في الدول المعنية بمكافحة الإرهاب إلى معرفة واكتشاف كل حالات اليأس والإحباط والكراهية التي تمثل كل واحدة منها مشروع قنبلة هائلة، فحين يتساوى الموت والحياة في نظر الناس يتحولون إلى مشروعات "تفجيرية" تدمر كل شيء.

     والمعالجة الجارية للأحداث وعمليات العنف المسلح في أنحاء كثيرة من العالم تبدو وكأنها ستواجه بالطريقة الإعلامية والكرنفالات التي تبدو للحكومات والحركات الإسلامية والمؤتمرات والندوات ومؤسسات المجتمع المدني أفضل ما يمكن تقديمه للجمهور المشغول كما لو أنه يتسلى في سيرك عظيم، أو يشارك في شيء من قبيل التلفزيون الواقعي.

    وبعد هذه المهرجانات الأنيقة العظيمة في الفنادق وأمام الكاميرات والتي تشبه احتفالات القياصرة على أعدائهم يضع الناس حجرا على بطونهم، فزيادة الضرائب والأسعار، والفساد المتمكن والمتمأسس، وعدالة الفرص، وتأهيل المجتمعات والموارد، والأزمة الدائمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والخصخصة المصحوبة بالاحتكار على نحو يشبه التحول إلى إقطاع فظيع، والبطالة، والتلوث، وأزمة الموارد، وترهل المؤسسات التعليمية والصحية، والتصحر، وانتهاك الحريات والحقوق العامة، وضعف نمو الناتج المحلي والمدخرات المحلية والوطنية، وعجز الموازنات العامة، واتساع مساحة الفقر والمرض، وتزايد الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتهميش فئات واسعة من المجتمعات والطبقات، كلها قضايا لا تستحق الشغل والعناء.

     نحن أمام نوع جديد من الإرهاب لا يمكن مواجهته أو القضاء عليه إلا بالعدالة الاجتماعية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق