دائرة مكافحة الفساد

تم نشره في الاثنين 25 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

لا يمكن فهم ما تحدث به نائب رئيس الوزراء مؤخرا عن نية الحكومة إلغاء دائرة مكافحة الفساد, ليكون هذا الإلغاء نوعا من تطور آليات الحكومة لمكافحة الفساد, فقيام الحكومة بإعداد قانون لهيئة المكافحة انسجاما مع الرسالة الملكية لا يعني ان نبدأ من الصفر, وأن نهجر تجارب ومؤسسات تعمل منذ سنوات طويلة وامتلكت خبرة ودراية.

  فمكافحة الفساد ليست هيئة من اشخاص يتم اختيارهم من اصحاب المصداقية والخبرة, بل مؤسسات وأذرع وقدرات وخبرات, ومكافحة الفساد لا تحتاج الى هيئة حكماء او لجنة خبراء, بل تحتاج الى سلطة ومؤسسات تدرك كيفية التعامل مع اساليب التحايل على القانون او استهداف المال العام وحتى انواع الفساد في القطاع الخاص, فمن يمارس الفساد يكون على درجة من القدرة على التحايل والالتفاف, وردع هؤلاء يحتاج الى مؤسسات قوية ذات سلطة وانضباط والتزام وخبرة, وهذا ما يتوفر في دائرة مكافحة الفساد التي بدأت عملها منذ منتصف التسعينيات, واكتسبت خبرة قوية ومارست اعمالا كبيرة لم يتم الاعلان عنها, لأن طبيعة هذه الأداور من متابعة وتحقيق وإحالة الى القضاء ليست من الاعمال التي تخرج الى الإعلام, وتتميز بأنها جهاز عسكري منضبط في داخله, متماسك في طريقة عمله, ودائما فإن عمليات ردع الفساد ومتابعته تحتاج الى اداة تنفيذية قوية وليست خطابا او هيئات حكمة وخبرة وخبراء.

  ان الحكمة في ادارة اي قضية او تطوير في اداء الدولة في مكافحة الفساد تقتضي ان نحافظ على المؤسسات الناجحة القائمة, ومنها هذه الدائرة, وان نعمل على تطوير عملها وقدراتها, وان نعطيها صلاحيات اضافية وكافية على ارضية قانونية, اما ذلك التفكير الذي يذهب مباشرة الى الإلغاء والذهاب الى نقطة البداية, والقفز عما تم انجازه, وبخاصة ان ما تفكر الحكومة بإلغائه مؤسسة عملت واكتسبت خبرة, وعرفت تفاصيل الرقابة وأدواتها, فهذا يعني ثغرة في منهجية التفكير.

  وعلينا ان نلاحظ ان توسيع الصلاحيات وتطوير الأداء قد يخرجنا من ثغرة وهي قرارات الاستمرار في متابعة اي قضية فساد, فالدائرة تقدم تقاريرها وتحقيقاتها الى السلطة التنفيذية, لكن ربما تكون بعض القضايا تتوقف عند هذه النقطة لسبب او لآخر, وبعض الملفات قد تكون قد دخلت ادراج حكومات ومسؤولين ولم تر النور بعد ذلك, فهذا امر مختلف ولا علاقة له بكفاءة الدائرة بل بالإرادة السياسية والرغبة في فتح هذا الملف او ذاك.

  الفساد مؤسسة قوية وخبيرة ولا تكافح الا بمؤسسات ردع وتشريعات قوية, فنحن لا نبحث عن بناء هيئات ثقافية او لتشجيع النقد الادبي او الفن التشكيلي, بل لمحاصرة ظاهرة خبيرة, ومشكلة المكافحة دائما انها تحتاج الى ارادة كاملة, وان تغيب الانتقائية والتعامل الطبقي مع قضايا الفساد, وهذه يمكن ان تساهم به ادارة مكافحة الفساد مع غيرها من الهيئات اذا امتلكنا الارادة الكاملة.

التعليق