الدستور: التفعيل أولى من التعديل

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

   منذ انطلاق المسار الديمقراطي عام تسعة وثمانين لم تتوقف الدعوات لتعديل الدستور, وقد نص الميثاق الوطني الذي لا يزال (بانتظار الأجندة الوطنية !) الوثيقة التي حظيت بإجماع العرش والقوى السياسية على تعديل وحيد يتعلق بإنشاء محكمة دستورية, بيد أن ما حصل مذاك أن القوانين المؤقتة –غير الدستورية- جارت على الدستور. أي أنه عدل عمليا باتجاهات غير ديمقراطية مخالفة لجوهره وروحه.

    وفي الخلفية, يجدر التنويه أن التعديلات التي نودي بها كانت تحمل طابعا إصلاحيا لا انقلابيا ولو أخذ بها لكان وضع البلاد خيرا مما نحن عليه الآن. أبرز المطالبين بالتعديلات مبكرا كان ليث شبيلات, وفي كلمة الثقة في حكومة طاهر المصري رفع شعار "برنامج النقطة الواحدة" أي التعديل الدستوري وتحديدا ما خص حل مجلس النواب. وهي تعني العودة إلى دستور اثنين وخمسين الذي أعطى المجلس النيابي الحصانة التي يستحقها. لكن ما حصل أن مجلس النواب الحادي عشر حُل قبل موعده الدستوري وصدر قانون الصوت الواحد في غياب المجلس ومن يومها بدأ التراجع الذي نحصد ثماره المرة إلى يومنا هذا.

       وعندما قاطع الإخوان المسلمون انتخابات سبعة وتسعين رفعوا شعار "الإصلاحات الدستورية" شرطا للمشاركة, لكن ما حصل كان مزيدا من التراجع اضطرهم للمشاركة بأي ثمن في الانتخابات التالية. مع ذلك تظل العبرة في ممارسة السلطة التنفيذية لا في نصوص القوانين والدساتير والمعاهدات والاتفاقات الدولية. فالأردن لا يترك معاهدة ولا اتفاقا دوليا له علاقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان والبيئة والاحتباس الحراري.. إلا وقعه.

       الحديث عن تعديل دستوري يشوش ويثير القلق والهواجس, لنتحدث عمَا هو بديهي. القوانين المؤقتة حتى في دستور جمهورية أرض الصومال غير دستورية, لكن حكومة عبد السلام المجالي أجرت الانتخابات وفق قانون مؤقت, وفقا لفهم فريد لـ" الظروف القاهرة " وهو فهم يخص الأردن دون سائر المعمورة. فلو سألت راعيا عن الظروف التي تعطل الدستور, أرفع وثيقة تحكم علاقة الدولة بمواطنيها وبالعالم, لقال لك الحرب والاحتلال والكوارث الطبيعية مثل تسونامي..ماهي الظروف القاهرة التي دفعت, لاحقا, حكومة علي أبو الراغب لإصدار أكثر من مئتي قانون مؤقت؟ نفس الظروف القاهرة التي دفعت من قبل حكومة عبد السلام المجالي!

     ما حصل أن ثمة تعديلا غير مكتوب جرى على الدستور, جعل من الحكومة سلطة مطلقة تشرع وتقضي وتنفذ بلا رقيب ولا حسيب, وكما في القاعدة الدستورية المشهورة "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". للتذكير عندما توسعت حكومة علي أبو الراغب في منع أحزاب المعارضة من حقها الدستوري في تنظيم الاجتماعات لجأت الأحزاب إلى محكمة العدل العليا (وهي محكمة دستورية بالمناسبة) وعندما حكمت المحكمة التي من حقها إيقاف العمل بالقوانين إذا رأت عدم دستوريتها (كما حصل في قانون مطبوعات عام سبعة وتسعين) بعدم قانونية إجراءات وزارة الداخلية لم تذعن الحكومة لقرار المحكمة ولم تطبق القانون بل عمدت إلى إصدار قانون مؤقت يوافق قرارها آنذاك!.

    القانون المؤقت الوحيد الذي كان له سند دستوري هو قانون انتخابات تسعة وثمانين, فنصف المملكة ممثلا بالضفة الغربية احتل قبل عقدين ونسبة كبيرة من السكان الفلسطينيين اختارت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا لها, وبإجماع عربي وموافقة أردنية عام أربعة وسبعين, والدولة الأردنية أقرت ذلك بقرار فك الارتباط عام ثمانية وثمانين. هذه ظروف لو سألت راعيا لقال إنها "ظروف قاهرة". وعليه ظل المجلس النيابي ينعقد قبل فك الارتباط وجرت انتخابات تكميلية نزيهة عام أربعة وثمانين واستكمل المجلس انتخاب أعضاء الضفة الغربية وكانوا يحضرون الجلسات على رغم الاحتلال الجاثم!

     لا داعي لتعديل الدستور حتى لو كان الهدف إنشاء محكمة دستورية, فالأولوية هي  دعم القضاء وسيادة القانون لا إنشاء محكمة جديدة, والرقابة على الدستور والقوانين تتم من خلال محكمة العدل العليا والمجلس العالي لتفسير الدستور. بالإمكان مأسسة المجلس العالي من خلال تشكيلة مناسبة من مجلس الأعيان ورفده بكوادر استشارية قديرة.

       المطلوب تفعيل الدستور كما هو ووقف التعديلات غير المكتوبة؛ بعدها يمكن الحديث عن تعديلات دستورية ولو مثل التعديل الثاني على الدستور الأميركي!

   yaser.hilalla@alghad.jo

التعليق