جميل النمري

جبهة وأجندة جديدة للحرب على الارهاب

تم نشره في الأحد 24 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

اذا كان المئات من الانتحاريين يتوجهون الى العراق، فليس صعبا تحويل بعضهم الى اصقاع اخرى لتوجيه ضربات موجعة في الخواصر الطرّية والمكشوفة؛ للحواضر، محطّات القطارات، تقاطعات المترو، تجمعات النقل، منتجعات السياحة... القتل عشوائي، لكن الاهداف منتقاة بقرار... وبمزاج.

ليس أشدّ وجعا لمصر من مجزرة كهذه في شرم الشيخ، وفي ذروة الموسم السياحي. كانت مفاجأة غير متوقعة، وفق تصريحات عقب التفجيرات، لكن تفجيرات لندن لم تكن متوقعة، وكذلك تفجيرات مدريد. وصاحب الامر في توجيه رسل الموت يقرر، بمشيئة مطلقة، اية خاصرة ليّنة يضرب في معسكر الاعداء الواسع، ومصر جزء منه، ولو انها لم ترسل قوات الى العراق. وشرم الشيخ منتجع سياحي وسياسي نموذجي كهدف للضرب.

لكن السؤال القديم المتجدد هو: هل هناك قيادة موحدة تقرر متى واين تضرب؟ خارطة التطرف الارهابي التنظيمية مازالت معتمة، وسجلّت الاجهزة الاستخباراتية فشلا في استقرائها، والمعلومات متخلفة على الارجح عن التطور والنمو الميداني لهذا الاخطبوط، وهل هو اخطبوط برأس فعلا، أم أنه فطر ينبت عشوائيا، ويتصل ببعضه دون هيكل ودون مراتبية؟

هناك فرضيات عديدة محتملة، لكن وفق تطور الاحداث، يمكن القول ان القاعدة القديمة في افغانستان لم تعد تشكل رأسا للحركة، حتى بدأت حرب العراق تستقطب المجاهدين من فلول القاعدة في مختلف البلدان، وتستنبت موجات جديدة. وبعد حين، بدأ توجيه هذا الفائض الى الخارج، أو توجيه بعض القيادات لادارة العمل في الخارج، والذي أفرز على الارجح تفجيرات مدريد ثم لندن ثم شرم الشيخ. لكن من الصعب الجزم بمرجعية ابو مصعب الزرقاوي كقائد اعلى لشبكة واحدة، مع ان التسميات المترادفة؛ القاعدة في بلاد الرافدين، والقاعدة في بلاد الشام وأرض الكنانة، قد توحي بذلك. وعلى الاقل، فإن عمليات من هذا النوع تحتاج الى ترتيبات وخطط وتمويل ومرسلين ومستقبلين وتجهيزات، لابد ان يكون وراءها جهاز مركزي.

لكن الفشل الاستخباراتي، حتى الان، في اللحاق بالتطورات التي طرأت على جبهة التطرف الارهابي لا تعكس بالاساس قصورا فنّيا، بل قصورا سياسيا فادحا. المستوى السياسي، فوق المستوى الامني، لم يتوقع ولم يرغب بأن يتوقع هذا النمو وبهذا الاتجاه، الذي خلق عددا لا يحصى من الانتحاريين، والنتيجة كارثة علينا وعلى الغرب. والارهاب لن يجعل مصر غير مصر، لكن الثمن هو خسارات بالمليارات، وتدمير استثمارات وبطالة وتعاسة فقط.

ولذلك، ودون التخلي عن مسؤوليتنا الثقافية في مواجهة لا هوادة فيها مع الارهاب، يحق لنا ان نطلب تفاهما سياسيا على أجندة العمل، للنجاح في الحرب على الارهابيين. فاذا كان صحيحا ان ثمّة اساسا ثقافيا للتطرف الاصولي، هو حصّتنا ومسؤوليتنا، فالتطرف الاصولي يتغذّى بالتزامن على مادّة سياسية للتعبئة، هي اولا استمرار الاحتلال الاسرائيلي، والمأساة الفلسطينية التي يعجز العالم عن وضع حد ّلها.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق