أسئلة أوروبا

تم نشره في السبت 16 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

    انشغل قادة الاتحاد الأوروبي في الأسابيع التي تلت رفض فرنسا وهولندا لاقتراح المعاهدة الدستورية للاتحاد الأوروبي بتوجيه أصابع الاتهام كلٌ نحو الآخر، أو بلوم المواطنين الفرنسيين والهولنديين لعدم فهمهم السؤال الذي طرح عليهم. ولكن، وحتى الآن، لم يظهر أي متحدث أوروبي ولم تتجرأ أي مؤسسة أوروبية كبرى على تقديم تصورها وتحليلها للوضع الراهن، ناهيك عن طرح سيناريو استراتيجي للمستقبل على الأقل.

    بالفعل، لم يجب المواطنون الفرنسيون والهولنديون عن السؤال الذي وجه إليهم، بل كان تصويتهم احتجاجاً ضد العولمة، ورفضاً للعالم المعاصر بآليات حكمه البعيدة وغير المفهومة. ومثلها مثل الحركة المعادية للعولمة، تعتبر الحركة المعادية للأوروبية مطلباً لنموذج مختلف عن النموذج الأوروبي الحالي "تعديل-أوروبي". وبالتالي، فإن المسألة تتعدى ما صرح به توني بلير في كلمته الافتتاحية أمام البرلمان الأوروبي، والتي لخصت المشكلة بنقص في الشخصيات القيادية... لا، لم يظهر أشخاص قياديون حتى الآن لأن الأزمة أعمق من هذا بكثير.

لقد صاغت الحربان العالميتان والحرب الباردة التي تلتهما التكامل الأوروبي على أنه مشروع للسلام والدفاع عن القيم الغربية الأساسية، وعلى أنه مشروع للازدهار الاقتصادي المشترك. وبلغت هذه المرحلة ذروتها عند انهيار الشيوعية في العام 1989. لكن الفرصة التي مُنِحنا إياها للتغلب على الانقسامات الأوروبية التاريخية تحتم علينا إعادة صياغة وتعريف مشروع الاتحاد الأوروبي. وقد خلقت معاهدتا ماستريخت 1992 وأمستردام 1997 هيكلية تنظيمية جديدة للاتحاد الأوروبي، ووضعتا حجر الأساس لمؤسسات سياسية متكافئة مع قوة أوروبا الاقتصادية.

عندما ناقش السياسيون مستقبل الاتحاد الأوروبي، تحدثوا عما أسموه "النهائية" أو الصيغة النهائية للتكامل الأوروبي، كما صاغها يوشكا فيشر، وزير الخارجية الألماني في العام 2000. وعرّف النقاش الثقافي الذي صاحب هذه الصياغة، والذي قاده الفيلسوفان يورغان هابيرماس وجاك ديريدا، طبيعة الهوية الأوربية على أنها، وفوق كل شيء، رد على السيطرة الأميركية، وفي نفس الوقت رد على التحديات التي تفرضها العولمة.

     يجب أن يستمر هذا النقاش على الرغم من أن الرد الفرنسي والهولندي بديا وكأنهما أطلقا رصاصة الرحمة على المعاهدة الدستورية. سوف يستمر حكم الاتحاد الأوروبي من خلال معاهدة نيك 2000، ولكن هذا الأمر لن يتيح المجال أمام مزيد من التكامل السياسي (أو التوسع)، ولن يؤمن أداءً فعالاً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي. وتقديم مسودة جديدة لمعاهدة دستورية أخرى سيستغرق على الأرجح وقتاً أطول بكثير مما استغرقه العرض الحالي، وسوف يكون من غير المرجح أن ينجح مؤتمر تشترك فيه الحكومات الأوروبية في تقديم التغييرات الضرورية المطلوبة.

     يكمن الحل الوحيد القابل للتطبيق في استخدام "وقفة التفكير" الحالية لإعادة إحياء المعاهدة الدستورية الحالية، الأمر الذي سيتطلب تأجيل وقت الإقرار إلى العام 2008. وسوف يتطلب أيضاً تحديد موعد موحد لهذا الإقرار، من خلال تصويت برلماني أو استفتاءات متزامنة معه في كل البلدان التي لم تفعل ذلك بعد، بما فيها فرنسا وهولندا.

     وبكلمات أخرى، لا تعد "وقفة التفكير" فاتحة لتغيير مسودة النص (على الرغم من أن مؤتمر الحكومات الأوروبية قد يحول القسم الثالث من النص -والذي يضمن انسجام المعاهدات السابقة- إلى ملحق)، بل سيتمحور الواجب الرئيس الذي تتيحه هذه الوقفة حول تعديل المضمون السياسي والنفسي-الاجتماعي لعملية الإقرار، من خلال مخاطبة القضايا الأساسية.

     أولاً: كيفية تحديد العلاقة بين الاهتمامات الوطنية والاهتمامات الأوروبية المشتركة؟ لا يرتبط هذا الأمر بتوزيع الاختصاصات والمهام وحسب، وإنما يرتبط وبشكل رئيس بتحديد الحالات التي توجب الاعتماد على المؤسسات الوطنية والحالات الأخرى التي توجب التوجه نحو المجتمع الأوروبي ككل.

     يمكن إعطاء شخصية أكثر عمومية للمجلس الأوروبي، الذي يمثل الدول الأعضاء في هيكلية الاتحاد، وعندها يمكن النظر إليه من خلال نظام تشريعي مزدوج، كشكل مقارب لما يشبه "مجلساً للأمم"، ضمن ما أطلق عليه جاك ديلور "اتحاد دول الأمة".

    ثانيا: يتمحور السؤال الثاني حول اتساع الاتحاد الأوروبي. إذ تعتبر أوروبا مزيجاً جغرافياً وتاريخياً فريداً، لكن حدود الاتحاد الأوروبي -وبالتالي توقعات التوسع- تتحدد بالقدرة الاستيعابية والقدرات على التكيف الخاصة بالدول المرشحة للانضمام. هل يعتبر التوسع السياسة الوحيدة التي تضمن الاستقرار والسلام؟ أم هل يمكن اعتبار "سياسة الجوار" بديلاً مناسباً لدعم التطوير والاستقرار، مثلها مثل خطة مارشال التي اتبعت في أوروبا الغربية سابقاً؟

     ثالثاً: نحن نحتاج إلى نقد وتمحيص التجربتين السويدية والبريطانية من ناحية، والتجربتين الألمانية والفرنسية من ناحية أخرى، بدلاً من المقارنة عديمة الجدوى بين نماذج التطوير الاقتصادي الليبيرالي أو الاشتراكي. فهل تعتبر هذه التجارب تجارب أحادية التواجد، أم هل هناك فرصة للالتقاء؟ وما هي السياسات التي ستخفض من معدلات البطالة؟ وما هي الممارسات التي ستضمن تنافسية الاتحاد الأوروبي عالمياً؟ وكيف يمكننا أن نقلص اختلافات أساليب التطوير وأساليب الدعم الاجتماعي داخل أوروبا؟

     رابعاً: يجب مخاطبة طموحات الاتحاد الأوروبي في تبني سياسات خارجية أمنية موحدة. إذ تعتبر التهديدات التي تواجه العالم اليوم تهديدات غير خاضعة للحدود؛ وبالتالي يجب أن يكون الرد عليها غير محدود أيضاً، الأمر الذي يستحيل تطبيقه دون شخصية أوروبية مشتركة -وبالتالي مصالح مشتركة يجب تأكيدها والدفاع عنها.

     رسمت المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي مسودات خطط لأوروبا كلها حول هذه المواضيع بعد الاستفتاء الفرنسي الهولندي، لكن مثل هذا النقاش يتطلب إطاراً تنظيمياً يضم في جنباته مؤسسات العمل الاجتماعي الأوروبية، والبرلمانات الوطنية، والإعلام الأوروبي.    ينطوي تطبيق الديمقراطية على بعض التكاليف، لكن تبقى هذه التكاليف أقل وزراً من إلغاء المشاركة الشعبية.

      وحده نقاش أوروبي يجمع التحرك المشترك للمؤسسات والمواطنين الأوروبيين، يستطيع مقاومة "معاداة الأوروبية" بشكل فعال. قد يكون الوقت مبكراً على بناء دستورٍ أوروبي حقيقي، لكن مقارعة القضايا الجوهرية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي بدلاً من تجاهلها قد يخلق الجو المناسب لإعادة إحياء المعاهدة الدستورية الأوروبية، ويساعد على تحضير الاتحاد الأوروبي لمواجهة تحديات زماننا.

التعليق