د.باسم الطويسي

المحافظات في الصحافة.. التهميش وفجوة المعلومات (1-2)

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

   مازال الأردن يفتقد لصحافة الأقاليم او صحافة المجتمعات المحلية بالمعنى العلمي؛ والتي تعنى بتقديم الخدمات الإعلامية أو الاتصالية الدورية لمجتمعات محددة ضمن اقليم محدد من الدولة. إلا أن الصحافة اليومية الأردنية، ومنذ نشأتها، تقوم ببعض اوجه هذا الدور، مع تفاوت واضح في الأداء والقيمة والمنهجية، تبعا لتطور المجتمع الاتصالي في الأردن، وما ارتبط به من  تغير ثقافي واجتماعي. ومع هذا، فقد اعتادت الصحافة الأردنية اليومية على إفراد صفحات محددة خصصت للأقاليم او المحافظات، وميزت بالتالي بين المحليات وتغطية المحافظات.

     وفي اجواء التحولات الواسعة التي تشهدها الصحافة الاردنية وتلك التي تنتظرها، وعلى طريق دورها المرتقب في تشييد النظام الاتصالي الذي يسهم في ارساء ثقافة الحقوق التنموية والسياسية لكل المواطنين ولاقاليم الدولة كافة، تبدو اهمية مراجعة الاداء الصحافي في التعامل مع فعاليات واحداث المحافظات الاردنية، وكشف حالة التهميش وفجوة المعلومات التي تحياها المحافظات، والتي اسهمت الصحافة في جانب منها.

     مرَّ حجم التغطية الصحافية للمحافظات والأقاليم في الصحافة اليومية بتطورات عدة؛ بين ضمور المساحة المحددة واتساعها أحياناً ثم تراجعها، حسب تفاوت رؤى رؤساء التحرير ومواسم الإعلانات وخطط التوزيع وطبيعة الأحداث. فالأمر كما يبدو لم يخضع لدراسة علمية تحدد الاستحقاق الموضوعي لحجم مساحة التغطية، التي ترتبط مهنيا بمجموعة من المعايير والقيم، احدها أهمية الاحداث وليس كمها، إذ بقيت فكرة مركزية الأحداث في الصحافة الأردنية اليومية هي المسيطرة. ومن ثم، تبدو عمان دائما هي المركز الأول والثاني والثالث لصنع الأحداث، وهي المركز الأول أيضاً لتدفق المعلومات حول الأقاليم ذاتها.

     لقد اعتادت الصحف اليومية الاردنية على إفراد ما بين صفحتين الى ثلاث صفحات في اقصى الحالات، محددة ومعنونة احيانا "المحافظات" أو "الأقاليم"، في حين كانت هناك محاولات للخروج من هذه الصيغة، منها محاولة احدى الصحف التي أفردت في جزئها الثاني صفحات دورية للمحافظات تحمل اسم كل محافظة، لكن هذه التجربة لم تعمر طويلا وأخذت تتراجع شيئا فشيئاً، إذ تم تقليص الحجم المحدد لكل محافظة الى نصف صفحة، ثم الى ربع صفحة فقط، الى ان توقف التخصيص بشكل تام. وظهرت محاولات مستعجلة في مجال اقتحام مساحات أوسع في اكثر من صحيفة على شكل "صحيفة المحافظة الأسبوعية"، بحيث تفرد لكل محافظة صحيفة أسبوعية في ملحق مستقل.

     هذه المحاولات تراجعت جميعها ولم تستمر اكثر من شهور قليلة. وفي المشهد الراهن، يقارب حجم تغطية بعض الصحف اليومية ما بين صفحتين وثلاث صفحات فقط، في حين يدمج البعض الآخر تغطيات المحافظات مع التغطيات المحلية، وتترك لقيمة الاخبار ان تقرر حجمها واتجاهها.

    لقد انعكست محددات العمل العام ومركزيته الذي تتميز به العاصمة على قيم المجتمع الاتصالي الأردني، ويبدو هذا الأمر في الصحافة اليومية بأجلى صورة، ونلاحظ هذا الواقع عن طريق رصد المعطيات التالية:

أولاً: ما تزال الصورة النمطية في عقلية صانعي القرار في إدارات التحرير ولدى كبار المحررين في الصحف تدور حول أولوية أحداث العاصمة ومركزيتها؛ فالقصة الإخبارية التي تتناول حدثا ما وقع في العاصمة يساوي في أهميته وصانعيه حدثا آخر جرى في إحدى المحافظات لا تُعاملان بنفس المعايير؛ إذ نجد أن القصة الأولى تحتل مساحة قد تكون ضعف تلك المخصصة للحدث الثاني، وتفرد للقصة الأولى عناوين أفقية على عدة أعمدة بينما يضيع الحدث الثاني بين "نتف" الأخبار.

ثانياً: على الرغم من الثقل الديمغرافي للعاصمة عمان مقارنة بالمحافظات الأخرى، إلا إن الصحافة اليومية لم تراع خصائص سكان العاصمة وحاجاتهم الاتصالية، فهناك نسبة لا بأس بها من سكان عمان هم من أبناء المحافظات في الأصل، وهم بحاجة مستمرة الى متابعة أحوال محافظاتهم وأقاليمهم.

ثالثاً: تعد المحافظات والألوية مصدراً هاماً للأحداث وصناعة الأخبار، فهي تشكل الكتلة الحيوية للنظام السياسي ومصدراً لتفاعلاته الداخلية. وفيها تتشكل المدخلات الأساسية للنظام وتتجمع المطالب العامة، وتتشكل التفاعلات الشعبية، وتظهر المؤشرات الأساسية على القدرات التوزيعية للسلطة التنفيذية، وتبدو مظاهر التغذية العكسية على تفاعلات النظام السياسي، الى جانب أن تلك المجتمعات مثلت طوال العقود الماضية مصدراً أساسياً لقياس شرعية المواقف والسياسات العامة. كذلك، تعد المحافظات الأردنية مستودع الموارد والثروات الطبيعية والأثرية والتاريخية والوطنية، وهي عماد الاقتصاد الوطني والمركز النشط لتنمية الموارد البشرية، حيث يوجد فيها سبع جامعات رسمية وعشرات كليات المجتمع وعدد آخر من الجامعات الأهلية، وتستوعب جميعها اكثر من (100) ألف طالب. وتشكل هذه المؤسسات الكتل الأساسية للمجتمع الأكاديمي الأردني، إذ يقدر عدد أعضاء هيئة التدريس في المؤسسات التعليمية باكثر من اربعة آلاف أكاديمي، وهم قادة رأي ولهم حاجات اتصالية نوعية.

رابعاً: تعد المحافظات مصدراً أساسياً وهاماً للإعلانات، وبالتحديد الإعلانات ذات الصفة الاجتماعية المتعلقة بالتهاني والتبريك أو المتعلقة بالنعي والوفيات، والتي تحتل أحياناً في بعض الصحف ما يقارب (30%) من حجم الإعلان، وهي في معظمها تأتي من المحافظات. فقد تشكلت في هذه المجتمعات جملة من التقاليد والقيم في علاقاتها مع الصحف اليومية، ارتبطت بالمكانة الاجتماعية وصورة الذات حينما يحاول الأفراد والجماعات التعبير عن أفراحهم أو أحزانهم.

خامساً: تنسحب مركزية التغطية الصحافية في اليوميات على الصفحات المتخصصة التي تفردها عادة الصحف لمجالات متعددة. فالصفحات الاقتصادية التي تتجاوز ثلاث صفحات في بعض اليوميات تكاد تكون مقتصرة على التفاعلات الاقتصادية التي تشهدها العاصمة، على الرغم من طبيعة الثقل الاقتصادي الذي تشكله بقية الأقاليم. وكذلك الأمر في الصفحات الثقافية، التي نادراً ما تلتفت الى الحركة الثقافية في المحافظات، بحيث ساهمت هذه الصفحات، وعبر أجيال من المحررين، في تكريس مفهوم غير موضوعي يتحدث عن ثقافة المركز مقابل ثقافة الاطراف، وتارة ثقافة الهوامش.

    في السنوات القليلة الماضية ظهر واضحا الادراك في الخطاب الرسمي لحجم الفجوة التنموية التي تحياها المحافظات، والتي تبدو في تواضع نوعية الحياة وتدني مؤشرات التنمية الانسانية مقارنة مع حجم اسهام هذه المحافظات في التنمية الوطنية، اي مفارقة الوفرة والندرة. هذا التطور لم تسهم في كشفه الصحافة، التي لاتزال غير فاعلة في بناء ثقافة تنموية لتجاوز هذه الفجوة.

كاتب أردني

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اخبار المحافظات (mamdouh)

    الخميس 6 تشرين الأول / أكتوبر 2005.
    الحقيقه ان الصحف لا تعطي المحافظات الاهتمام الكافي على الرغم من اهمية ذلك فعلى الرغم من النجاح الذي تحققه صحيفة الغد مثلا الا انها تعتمد على عدد من المندوبين الذين لا يمتلكون العلاقات الاجتماعيه الواسعه والخبره مطلوب الاعتماد على صحفين ذو خبره واطلاع على مشاكل مناطقهم