جميل النمري

"غزوة لندن"

تم نشره في السبت 9 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

جوع القارّة الافريقية، الديون، الفقر، المناخ والبيئة، الايدز، توسيع عضويّة مجلس الامن... هذه البنود على جدول أعمال قمّة الثماني الكبار ليست هموم من خطط ونفذ تفجيرات لندن، ولا حتّى من وجهة نظر مختلفة تطرح بدائل أخرى، ولا يعنيهم شباب مناهضة العولمة الذين اقتحموا الشوارع لإسماع الكبار صوتا آخر.

العالم الواقعي ليس عالمهم. هم مسكونون بتصور عن الحياة والكون لا مكان فيه ولا أهمية لكل ما سبق؛ عالم  من الكوابيس الدنيوية - الاخروية، والثنائيات القاصمة. تصوّر يفتقر كلّيا لأي مقاييس واقعية للحياة، التي ليست قيمة بذاتها، لا لهم ولا لغيرهم. أحد جزّازي الرؤوس الجزائريين كان يعلق ساخرا في تلك الايام المرعبة على قتل الاطفال الرضع مع أمّهاتهم وآبائهم: "على كل حال ان كانوا ابرياء فقد سرّعنا دخولهم الى الجنّة"!

كعرب ومسلمين  نخجل أمام البريطانيين وغيرهم من أعمال هؤلاء، ونقدّر كم تتحرج وتغضب الجاليات المسلمة هناك من هذه الاعمال الوحشيّة العمياء، لكن يخفف من حرجنا  اننا هنا، عربا ومسلمين، مستهدفون بنفس الاجرام، وبالحصّة نفسها وأكبر. وقد أشرنا إلى الجزائر، لكن كل يوم في شوارع مكتظّة بعراقيين بؤساء، اطفال ورجال ونساء، تتفجّر سيارات يقودها انتحاريون، تنشر الدمار والموت والمآسي بلا سبب ولا جدوى. والمشروع يبدأ بذريعة قويّة هي الجهاد على الكفّار، ثم يصبح نشر الرعب والموت هدفا بذاته، لإعاقة الحياة الطبيعية، حياة كل يوم. فالحياة العاديّة تلغي وجود هؤلاء. ولو تصورنا عراقا بلا أميركيين، فيا لمأزق زرّاع الموت هؤلاء! ولعلهم تحوّلوا إلى تسعير الصراع الطائفي بالتفجيرات في المناطق الشيعيّة تحسبا لهذا الاحتمال.

في كل حرب أو صراع أهلي يبرز قادة هم بالاصل منحرفون نفسيا، يجدون فرصتهم التي لا تتيحها الحروب النظامية، لممارسة نزعتهم الاجرامية تحت غطاء من العصبية السياسية او الدينية او القومية.

والتاريخ المجيد الذي يستخدم هؤلاء لغته لم يكن أعمالا جبانة تنفذ في السرّ، ويبقى أصحابها قيد الملاحقة بلا أمل بأي مستقبل، كما هو حال منفذي "غزوة لندن". قادة الاسلام الاول سيّروا جيوش الفتح مزوّدة بتعليمات أن لا تقتلوا طفلا ولا شيخا ولا امرأة، ولا تقلعوا شجرة، فكيف بالاسير الاعزل تحت رحمة هؤلاء، كما هو حال السفير المصري في العراق، يذبح بدم بارد أول من أمس؟! ليس لهؤلاء قضيّة ممكنة، ولا مستقبل ممكن لعملهم، انها مسألة وقت قبل أفول ظاهرتهم التي ان امتدت، فمن غير مردود ولا طائل، سوى مزيد من الضحايا.

التعليق