محاربة الفقر والحملات الموجهة

تم نشره في الخميس 7 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

قبل ايام، وزع وزير التنمية الاجتماعية 15 بيتا تم بناؤها هدية ملكية لأسر فقيرة في منطقة المخيبة الفوقا في محافظة اربد، وكانت تكلفة كل هذه البيوت 75 ألف دينار. وقبل هذا بشهور، تم توزيع بضع عشرات من البيوت في احدى قرى الجنوب قرب وادي عربة، وبكلفة لم تتجاوز 200 ألف دينار. وهذان المبلغان اللذان يتجاوز مجموعهما ربع مليون دينار بقليل، قدما خدمة استراتيجية لاكثر من خمسين اسرة اردنية لا تملك بيوتا، وإنما كانت تعيش في بيوت لا تليق بالبشر، او في خيام بكل معاناتها. ولا يدرك قيمة ان تمتلك اسرة فقيرة بيتا الا من اقترب كثيرا من مكانة البيت، ونقيض هذا من سكن في بيوت شبه مدمرة.

والفكرة الاساسية ان الحكومة والقطاع الخاص او مؤسسات العون الاجتماعي وصناديق الزكاة، يمكنها ان تفعل الكثير في محاربة الفقر ورفع سوية حياة مئات الأسر بمبالغ صغيرة؛ فلماذا لا تقوم في الاردن حملة مثلا لتأمين مساكن للأسر معدومة الدخل؟ ولو جمعت هذه الحملة عدة ملايين من اموال الزكاة والدعم الحكومي وتبرعات من القطاع الخاص وأهل الخير، فستكون (الحملة) قادرة على تأمين آلاف البيوت الصغيرة والمناسبة لأسرة فقيرة، قد تنفق كل ما تتلقاه من مساعدة كاجرة لبيت تسكنه، او تعيش في حالة صحية رديئة.

وقد تنظم حملة اخرى وطنية شاملة لجمع مبلغ كبير، وتقديمه مساعدة لمئات الأسر، لمساعدتها على بناء مصدر رزق لها، من فرن صغير او كشك او بقالة او بسطة خضار، وغيرها من المشاريع التي تؤمن مصدر دخل حقيقي، دون ان تكون قروضا، مع رقابة من جهة رسمية ومتابعة لهذه المشاريع.

هذه الافكار يتم تطبيقها من هذه المؤسسة او تلك، لكننا نتحدث عن تطوير الفكرة وتوسيع اطارها لتكون حملة وطنية شاملة، تشتمل على حملات لكل منها عنوان وهدف في مجال من المجالات التي يمكن ان تساهم في محاربة الفقر، وتوفير فرص عمل لمئات الأسر، وتحويلها الى عائلات منتجة بدلا من طوابير الواقفين على ابواب صندوق المعونة والجمعيات وصناديق الزكاة. وحين يتوفر 3 او 5 ملايين دينار، مثلا، لحملة بناء المساكن، فان تأثيرها الذي سيلمسه المواطن والمجتمع، يكون اكبر مما هو في الحالات المعدودة.

ولو تتبعنا الأموال التي تنفق لمساعدة الفقراء، من المؤسسات الحكومية والجمعيات الخيرية ولجان الزكاة والصدقات وتبرعات أهل الخير، لوجدناها كبيرة جدا. ومن يدخل في تفاصيل المجتمع يكتشف كم هو الخير في مجتمعنا، وكم هي الأموال التي يقدمها أهل الاحسان للفقراء والمحتاجين، لكن المشكلة انها توزع بشكل فردي او على شكل مساعدات اعانة، وهذا جانب هام لكنه لا يحقق الاهداف الكبرى في محاربة الفقر. وما يجري هو مساعدة الفقراء مع المحافظة على الفقر.

وخلال سنوات عديدة، تحدثت الحكومات عن دمج صناديق العون الاجتماعي. وتكررت هذه الفكرة في اكثر من حكومة، لكن ما نتحدث عنه ليس الدمج، الذي قد تواجهه عقبات عديدة، بل تنظيم حملات وطنية منهجية، ذات أهداف محددة، تسخر لها نسبة من الاموال، لكن بشرط ان تخصص لغاية محددة، مثل بناء المساكن أو تمويل مشاريع انتاجية للفقراء، وان تكون لهذه الحملات مرجعية واحدة من القطاعين العام والخاص، ولتكن فكرة المساكن التي تقدم للفقراء احد الامثلة من حيث الكلفة.

لقد قامت الحكومات بتوزيع مئات الألوف، وربما ملايين الدنانير في مغلفات توزع على المحتاجين، وكثير من اللغط ثار حول هذه الفكرة، وما إذا كانت الأموال قد وصلت إلى مستحقيها أم أنها تحولت الى اداة انتخابية؟ هذه الملايين كان يمكن ان تكون ارضية لافكار اكثر جدوى من مغلفات تتكرر على اشخاص شهرا بعد شهر، ووفق أسس لا يمكن التسليم بموضوعيتها، ولهذا فان فكرة الحملات الوطنية، حتى وان كانت لمرتين سنويا، كفيلة بتحقيق نتائج هامة لمحاربة الفقر وليس لمساعدة الفقراء.

التعليق