ربط تعديل المناهج بمتطلبات سوق العمل

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

    ما من دولة متقدمة في العالم إلا وتجدها تشكو من ضعف أداء طلاب مدارسها إلا نحن، بل تجدنا نرفض الحديث عن تطوير التعليم، ونسميه "تعديل المناهج"، ونصر انه مؤامرة أميركية، والحقيقة أننا نتآمر بأنفسنا على أنفسنا وعلى مستقبل وطننا وقدراتنا وموقعنا في العالم.

    إدخال الإنجليزية إلى المدارس الابتدائية يتحول إلى قضية متعلقة بالهوية الوطنية والدينية. واكتساب المهارات الفنية يصبح إفسادا وسوء خلق. والاهتمام بالعلوم والرياضيات يصبح مؤامرة لإقصاء الدين عن الحياة! والغريب أن الجميع بعد ذلك كله يريدون من الدولة وظائف، ومزيدا من الوظائف لأبنائهم. هؤلاء الأبناء غير القادرين والمفتقدين للمهارات الأساسية من اجل حياة افضل؛ واستشهد هنا برأي خبير في التعليم هو الصديق الدكتور راكان حبيب، الأستاذ في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، والذي طالما استمعت إليه وهو يشكو من طلبته، الذين يقذف بهم إلى الجامعة نظام تعليمي قاصر، فيجدهم لا يحسنون حتى كتابة جملة مفيدة خارج موضوع الدرس، لعله يعطيهم عليها علامة تقدير! وقد كتب قبل اكثر من عقد: "إذا دققنا فيما يكتبه الطلاب، فسوف نجد أن نسبة كبيرة من كتاباتهم تعكس عدم تعلمهم نظام الكتابة، وعدم القدرة على إيصال المعلومة. والسبب في ذلك أننا لا نهتم بتدريس نظامها، وبالتالي نجهل ما فيها من تفكير ومنطق... ومن ثم ننسى أنها مهارة يقصد بها تفعيل ما يراد قوله حتى يتاح فهمه للناس".

     الأسبوع الماضي بشرنا الدكتور راكان انه اعتمد أخيرا، وبعد 11 عاما من التأمل والتفكير، مادة تعليمية جديدة تدعى "مهارات الاتصال"، وقال انه حضر ورشة عمل عقدت في جامعته لتدريب 30 مبتعثا إلى الولايات المتحدة، لتعلم تدريس هذه المادة الجديدة. ويبدو أننا جميعا لا نجيد مهارات الاتصال، بحيث احتاج موضوع حيوي ومهم كهذا كل هذا الوقت لاتخاذ قرار بشأنه. وهذا التأخير يعكس الصعوبة التي تواجه عملية تطوير المناهج.

     ذلك أن العملية تمت أدلجتها، على ما في ذلك من إضعاف للوطن وإهدار للوقت وتشتيت للجهد. وليتنا لا ننظر إلى الموضوع من زاوية "قدر اقل من الدين في مناهجنا أم قدر اكبر؟". فقدر الدين في حياتنا قائم دوما دون مزايدة المزايدين، ممن "يحفظون البخاري ويزيدون فيه"، كما يقول المغاربة في مثلهم الدارج، بل علينا أن ننظر إلى الموضوع من زاوية "كفاءة مخرجات نظام التعليم الحالي، واحتياجات سوق العمل". فنحن بلدان نامية، رغم وقع هذه الكلمة المؤلمة على ذاتنا المنتفخة، ولدينا بطالة مع وجود وظائف شاغرة، وهي حالة نادرة لا تعني سوى شيء واحد، هو خلل في مخرجات التعليم وبعدها تأتي الأسباب الأخرى.

     بعد الصيف ومع عودة المدارس، سيكون الموضوع المعتاد في الصحف البريطانية أو الأميركية هو إصلاح التعليم، دون أن يقفز أحد هناك من مقعده. وهو موضوع لا يملون منه، رغم التقدم العلمي والاقتصادي في بلدانهم. وهم يجرون الاختبارات الدورية على قدرات أبنائهم، ويقارنونها مع البلدان الأخرى؛ هاجسهم دول مثل سنغافورة أو كوريا، ويغيظهم أن الطالب هناك يحقق نتائج أفضل في العلوم والرياضيات. وفي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، فقد تم إجراء مثل هذه الامتحانات، وأتمنى لو يعلن عن نتائجها المخيفة معالي وزير التربية والتعليم لأولئك الذين يستهلكون جهده ووقته في جدل بيزنطي عقيم، يسوفون به الوقت لوأد مشاريع الإصلاح التعليمي! وكل ذلك يجري بينما العالم يتغير من حولنا، ويلقي بثقله الضاغط علينا اقتصاديا.

     لقد أضحت "مخرجات التعليم" سلعة تصدر، والآسيويون يغزون العالم، ويحصلون على أفضل الوظائف في المستشفيات والجامعات والمصانع الأميركية والبريطانية لمجرد أن تعليمهم جيد، بينما نعجز عن شغر وظائفنا الشاغرة، أو التي يشغرها آسيوي يسعى حاليا إلى الهجرة إلى الغرب، وسوف يفعلها فور أن تتاح له الفرصة.

     في الأسبوع الماضي جمعتني طاولة عشاء في العاصمة البلجيكية بروكسل مع عضو في البرلمان الفلبيني، وقد روى لي انه زار ابنة أخيه، الممرضة في أحد مستشفيات مدينة برادفورد البريطانية، وهي واحدة من بين اكثر من 20 ألف ممرض وممرضة هاجروا للعمل في المستشفيات البريطانية، ومزيد منهم على الطريق. وقال إن الهيئة الطبية الفلبينية وصفت ما يجري بأنه ليس مجرد هجرة للعقول، وإنما "كارثة بالصحة العامة" في الفلبين، لكن لا أحد - بما في ذلك البرلمان الفلبيني- يستطيع أن يصدر تشريعا يمنع هذه الهجرة: "كيف احرم شابة من فرصة عمرها؟ ستحصل على ضعف راتبها في الفلبين عدة مرات، وحياة افضل، واستقرار معيشي"، وأضاف مبتسما: "إن ابنة أخي، وعمرها 24 عاما، امتلكت شقة وسيارة وهي لم تأت إلى بريطانيا إلا قبل عامين فقط، ولو أمضت عمرها كله في الفلبين لما كان لها أن تحصل على كل هذا".

إن الإنجليز لا يوظفون الفلبينيين لأنهم يقبلون برواتب اقل، فالقانون هناك يمنع التمييز في الراتب. وبالتالي، فهم يحصلون على نفس راتب ابن البلد الإنجليزي. انه التعليم والكفاءة، وهو نفس السبب الذي جعل مستشفيات العديد من الدول العربية تعتمد اعتمادا كاملا على التمريض من الفلبين، بالإضافة إلى رخص رواتبهم. ذلك أننا لا نمنع التمييز في الراتب، ولا اعرف فيما إذا كنا نستطيع أن نستمر في ذلك بعدما نستظل بمظلة منظمة التجارة العالمية؟! وعلينا أن نستعد لمستشفيات بدون ممرضات فلبينيات؛ فهن يسعين بالتأكيد إلى اللحاق بأخواتهن في بريطانيا وأوروبا. وقد منعت سنغافورة لهذا السبب شركات التوظيف البريطانية من النشاط فيها، لمنع تسرب الكفاءات الفلبينية من مستشفياتها.

     ما السبب وراء كل هذا الإقبال على الممرض الفلبيني؟ انه التعليم وقيم العمل الجاد. والحل الوحيد الذي وجدته الحكومة الفلبينية هو تشجيع تأسيس مزيد من كليات التمريض لملء الفراغ الحاصل. لكن عضو البرلمان يقول انه غير متفائل، ويتوقع أن تواجه الرعاية الطبية في الفلبين صعوبات اكبر في المستقبل، طالما أن هناك طلبا على الممرضين الفلبينيين. بل إن كليات الطب تتحول إلى كليات تمريض، والأطباء يتخلون عن شهاداتهم ويأخذون دورات مكثفة ليتحولوا إلى ممرضين؛ فبريطانيا تريد ممرضين وليس أطباء! ويقول إن ما ترسله العمالة الفلبينية من حول العالم إلى أسرها يمثل 10 في المائة من الدخل القومي الوطني، ما يعني أن ما من حكومة قادرة على منع هذا الرافد المهم.

    انه عالم يتغير من حولنا؛ فالتعليم اصبح أداة اقتصاد وسلعة تصدر، بينما نحن مشغولون بـ"مؤامرة مزعومة لتعديل المناهج، كي نتخلى عن قيمنا ومبادئنا وديننا"! فهل يستطيع صاحب القول السابق أن يحول جملته هذه إلى وظائف؟ لقد حان الوقت لأن نربط بين مشروع تطوير المناهج واحتياجات سوق العمل.. فقط سوق العمل.

كاتب ومستشار إعلامي سعودي

Jamal@alwatan.com.sa

التعليق