الأمان الاجتماعي

تم نشره في الأحد 3 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

شعار الامان الاجتماعي الذي تطرحه الحكومة للتخفيف من الآثار المتوقعة لرفع اسعار المشتقات النفطية يعبّر عن امرين؛ الاول، رغبة الحكومة في امتصاص رفض الناس لهذه القرارات. والثاني، رغبتها ايضا في التعبير عن تضامنها مع الفقراء، واعترافا منها بأن برامج الاصلاح الاقتصادي الحقت ضررا بالبنية التحتية لحياة المواطن.

هذه النوايا الحسنة من الحكومة موضع تقدير، لكنها لا تكفي لحل مشكلات الناس، بل لابد من اجراءات قادرة فعلا على تخفيف المعاناة عن الفقراء واصحاب الدخل المحدود، والا كانت هذه الشبكة من الامان شكلية او محاولة غير مجدية، بخاصة اذا علمنا ان مثل هذه الاجراءات تكررت خلال السنوات الماضية.

فمثلا، هناك توجه لرفع الحد الادنى للاجور من 85 دينارا إلى 95 او 100 دينار، لكن ما هو حجم الفئة المستفيدة من هذا القرار ان صدر، كما هل يمكن اعتبار 95دينارا دخلا شهريا كفيلا بإعالة اسرة، او مساعدة شاب على بناء اسرة؟! وهذا يعيدنا الى الصورة الشاملة، وهي ان معاناة اليوم تراكم لحالة اقتصادية ومعالجات اعتمدت على المواطن العادي وجيبه وراتبه، عبر زيادة الضرائب ورفع الاسعار. ولهذا، فالتقويم ليس لرفع جرة الغاز هذا العام، بل لسياسة اقتصادية صنعت اختلالات اجتماعية، وزادت من المعاناة، وازهقت القيمة الشرائية للدينار في ظل ارتفاع الاسعار.

والحكومة تتحدث اليوم عن زيادة على رواتب موظفي الدولة بما يشبه ما حدث العام الماضي، عندما حصل اصحاب الرواتب الاجمالية ما دون 200 دينار على 10 دنانير، ومن هم دون 300 دينار على 5 دنانير، لكن حتى مثل هذه الزيادة لم تصل الى فئات من المتقاعدين وورثتهم، كما لم تصل الى نسبة من موظفي الدولة! فهل صاحب الراتب الاجمالي الذي يزيد على 300 دينار محصن ضد رفع الاسعار وزيادة اسعار المحروقات؟ وهل 10 دنانير مثلا، لمن يقل راتبه عن 200 دينار، ستوفر له تعويضا وامانا اجتماعيا من السياسات الاقتصادية؟

ومن جهة اخرى، فان السياسات الاقتصادية تستهدف كل الناس، فماذا عن موظفي القطاع الخاص بكل مستوياته؟ ومن يضمن لهم امنا اجتماعيا ويعوضهم عما يلحق بهم؟

انها سلسلة من الاسئلة والتساؤلات، تجعل مما يطرح من اجراءات تقول الحكومة انها ستخفف الآثار عن الشرائح الفقيرة، اجراءات محدودة التأثير.

وفي الحكومات السابقة كان يصاحب رفع الاسعار والضرائب زيادة مخصصات صندوق المعونة الوطنية، وهو اجراء يعبر عن منهجية غير سليمة. فمنطقيا، كلما زادت ميزانية صناديق المعونة كان هذا مؤشرا على زيادة الفقر والفقراء، أي هروب الحكومات من المشكلة الحقيقية، وهي مكافحة الفقر والبطالة، الى تقديم مساعدات للفقراء مع احتفاظهم بفقرهم وعجزهم عن الحصول على عمل.

وعندما يتحدث اي مسؤول عن الامان الاجتماعي، فمن الظلم حصر الامر في رفع اسعار مادة واحدة كالمحروقات؛ فالمواطن يلاحق بقرارات رفع الاسعار، سواء رفع ضريبة المبيعات او رفع رسوم الجامعات وثمن المياه، وقبله ثمن الكهرباء وغيرها. ولهذا، فالبحث لابد وأن يكون عن امان شامل. 

الحكومة السابقة شعرت ان طبقة المدراء والامناء العامين مظلومون برواتبهم، فصرفت لهم زيادة على شكل مكافأة شهرية مقدارها 500 دينار! تماما مثلما حاربت اغلبية ممثلي الشعب للحصول على "امان" عبر شراء سيارات على حساب الخزينة؛ والتي بلغت كلفتها حوالي 20% فقط من كلفة زيادة رواتب موظفي الدولة لبقية هذا العام! وفي مجالس سابقة، حصل النواب على امان اجتماعي عبر تشريع وضعوه لانفسهم، للحصول على تقاعد وزاري حتى لو مكث الشخص نائبا ليوم واحد.

واخيرا، فان الاردنيين مستعدون لتحمل اية آثار اقتصادية لأوضاعنا الصعبة، لكن بشرط ان يتوزع الحمل على الجميع، وان تكون سياساتنا منسجمة. فممارسة الترف السياسي والمالي من جهات لا يجوز ان يترافق مع معاناة لبقية المجتمع. ولهذا، فالامر يحتاج الى قدوة ونموذج في تحمل المعاناة، وليس تضامنا لفظيا.

التعليق