رفسنجاني خسر... وربح الفقراء

تم نشره في الاثنين 27 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    وصول مرشح التيار المحافظ -الجديد- الى رأس السلطة في ايران يمثل حالة جديدة يمكن ان تعيشها ايران بعد سنوات من ربيع الحلم الاصلاحي الذي بدأ مع ولاية محمد خاتمي الاولى عام 1997، آنذاك كان شتاء رفسنجاني وولايته في سدة الرئاسة تلد ربيعا اصلاحيا بشر به خاتمي وتبنته ودعمته شريحة واسعة من الشباب الايراني التواق للحرية.

      تقدم رفسنجاني الذي دعم خاتمي في الترشيح لولاية ثانية قبل سنوات, بصورة رجل كل الفصول, او الشيخ المنتظر, واعلن بكل وضوح تأييده للمبادرة السعودية التي تبنتها الجامعة العربية بشأن التسوية مع اسرائيل, كما اعلن وبصورة مباشرة عن نيته لبدء مرحلة جديدة في العلاقة مع الولايات المتحدة. وظن انه بذلك يستطيع النفاذ إلى مخيلة الناخبين، وأنّ رهانه على الملف الخارجي ربما يحول دون خسارة مدوية له.

 

        كان المتوقع خروج رفسنجاني منتصرا من الجولة الاولى التي بلغ الاقبال على التصويت بها 63%, ولكن لم يتوقع  أحد خروجه في الجولة الثانية التي بلغت نسبة الاقبال على التصويت بها 56%. وكان لا يخيل لرفسنجاني ان يتولى الرئاسة رجل اكثر شباباً منه، ولا يرتدي عمامة الشيوخ غير انه متعهد بالبقاء على ثوابت الثورة ومصالح المواطنين.

         يستند نجاد الذي يبلغ من العمر 49 عاماً وعمل محافظا ثم رئيسا لبلدية لطهران قبل الترشيح, الى تأييد شعبي من الذين اصطلح عليهم باسم "الفقراء المؤمنين", وهذا ما جعله يقطع عهدا على نفسه بأن يحارب تجار المافيا المتحكمين بموارد النفط, وتعهد ايضا بأن يرى المواطن الايراني اثرا للنفط في حياته اليومية.

 

          احد اهم العوامل التي افشلت رفسنجاني هو توصيف الاخير على انه مرشح الاعتدال ضد التشدد, الذي مثله نجاد. وانه مرشح الانفتاح مع الغرب ضد الانغلاق الذي قد يمثله نجاد. وكان خروج محمد خاتمي عن موقفه المحايد تجاه المرشحين ومطالبته بدعم رفسنجاني بوصفه مرشح الاعتدال وضد العودة للوراء, دليلاً على ما كان يخبئه القادم من مفاجأة كانت غير محسوبة.

           ثمة عوامل قادت لذلك النجاح؛ فالمحافظون كانوا قد احكموا سيطرتهم على مؤسسات الدولة القضائية وعلى البرلمان والمجالس العليا، فضمنوا نصيبهم بعد غياب ثماني سنوات عن سدة الرئاسة التي تعاقب عليها منذ قيام الثورة عام 1979 وحتى اليوم ستة رؤساء. اربعة منهم حملوا العمائم على رؤوسهم باستثناء الرئيس الاول ابو الحسن بني صدر الذي استلم خلال الفترة 1980-,1981 وانتهى مغادراً وفاراً من البلاد بعد عزله بقرار البرلمان، والثاني غير المعمم هو الرئيس الحالي.

 فهل يبقى نجاد على ثوابته وتصريحاته, وهل يستطيع الرجل ان يظل على مواقفه تجاه الولايات المتحدة ام انه سيلجأ الى التحول وتخفيف حدة الخطاب؟.

     لقد دعا الرئيس الجديد في اول تصريحاته الى مصالحة وطنية داخلية في اشارة الى عمق الفجوة الداخلية التي تقسم المجتمع الايراني بين معسكرين الاول اصلاحي والثاني محافظ، ويرى الفريق الأخير في وصول نجاد الى سدة الرئاسة اهانة صارخة لرأس النظام العالمي الولايات المتحدة, وقد عبر عن ذلك مرشد الجمهورية علي خامنئي بقوله ان: نجاح نجاد هو اهانة للولايات المتحدة، في حين يتلمس تيار الإصلاح مخاوف العودة لما كانت عليه الدولة من سنوات ما بعد الثورة المباشرة.

 

       الواقعية السياسية تفضي إلى ان طروحات رفسنجاني بشأن مستقبل العلاقة مع الغرب واسرائيل, ليسا سببا للفشل، فتاريخ الرجل وعلاقته التاريخية مع رفاق ومؤسسي الثورة, ونجاحه في حركة البناء التي اطلقها للفقراء ومتوسطي الدخل لم تسعفه بالعودة للمرة الثالثة, بل ان الحاجة لتغيير العجوز المعمم وظهور نجاد حاملا لمطالب الفقراء والمعدمين, ومناهضا للمافيا الاقتصادية والمتغولين على مقدرات الشعب النفطية هما السبب في نجاحه, وفشل خصمه رفسنجاني القادم من قرية الياقوت الاحمر والمتحالف دوماً مع قوى البازار.

        في النهاية خسر رفسنجاني ممثل البنية الارستقراطية, وربح الفقراء المؤمنون من يعتقدون أنه قادر على تلبية شيء من احلامهم وتحسين مستوى معيشتهم وتخفيف حدة الفقر والحد من البطالة.

أكاديمي أردني

التعليق