في وداع رجل حر اسمه جورج حاوي

تم نشره في الأحد 26 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    مرة اخرى أظهر لبنان أنه موحد. فالذين ساروا في جنازة جورج حاوي، الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، كانوا يمثلون كل الفئات والطوائف والمذاهب اللبنانية. وكان جورج حاوي على حق عندما ردد قبل اغتياله، يوم الثلاثاء الماضي، أن اللبنانيين يتوقون الى الاستقلال الحقيقي والسيادة الحقيقية، وان على سورية فهم ذلك والتجاوب مع المطالب اللبنانية.

    بالنسبة الى اللبنانيين، معظم اللبنانيين، وعلى الرغم من عدم امتلاك ادلة ملموسة على التورط السوري في محاولة اغتيال مروان حمادة، واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهيد باسل فليحان ورفاقهما، والزميل الشهيد سمير قصير ثم جورج حاوي، إلا أنه لا يوجد اي شك في أن ثمة علاقة لدمشق بهذه الاحداث، لا لشيء سوى لانها هيأت كل الاجواء السياسية كي يحصل ما يحصل.

    لماذا جورج حاوي، وفي هذا الوقت بالذات؟ الجواب أن الرجل كان على غرار سمير قصير، هدفا سهلا. كل ما يحتاجه الامر أن تكون هناك عناصر موجودة على الارض منذ فترة طويلة تراقب تحركاته. ولعل اغرب ما في الامر أن لا احد بين الذين في محيط جورج حاوي اتهم اسرائيل بتنفيذ الجريمة، التي ادت الى استشهاد مناضل قديم ارتبط اسمه بالقضايا العربية والدفاع عنها، وفي مقدمها قضية فلسطين.

    تكمن أهمية جورج حاوي في انه استطاع نقل الحزب الشيوعي اللبناني، ومعه الاحزاب الشيوعية العربية -ولنقل معظم هذه الاحزاب- من موقع الى اخر. وبكلام اوضح، ادرك "الرفيق جورج"، او "ابو أنيس" كما كان يناديه القريبون منه، أن لا امل في انخراط الحزب الشيوعي اللبناني في الحياة السياسية اللبنانية والعربية في حال بقي اسير الوصاية السوفياتية. ولذلك، انتقل الى العمل من اجل أن يكون الحزب جزءا من "الحركة الوطنية اللبنانية" واليسار العربي. واستطاع بذلك تحقيق نقلة نوعية، اخرجت الشيوعيين اللبنانيين من وضع كان ينظر فيه اليهم على انهم مجرد ادوات للسياسة السوفياتية في المنطقة.

    في مسيرته النضالية الطويلة، اصاب جورج حاوي في احيان كثيرة واخطأ في احيان اخرى. لكن تجربته اتسمت بالقدرة على القيام بمراجعة نقدية، تأخذ في الاعتبار خصوصية الوضع اللبناني. والاكيد أن جورج حاوي تعلم الكثير من تجربة كمال جنبلاط وخبرته؛ وكان مع محسن ابراهيم، الامين العام لمنظمة العمل الشيوعي اللبناني، من اقرب الناس الى الزعيم اللبناني الراحل، الذي استشهد العام 1977 بعدما اصطدم بالطموحات اللبنانية لدى النظام السوري. وهي طموحات صارت ممكنة التحقيق بعد دخول القوات السورية قصر بعبدا ووزارة الدفاع اللبنانية القريبة منها خريف العام 1990، بفضل قصر نظر العماد ميشال عون، الذي رفض تسليم السلطة التي كان مؤتمنا عليها الى الرئيس اللبناني الجديد المنتخب، وكان اسمه وقتذاك رينيه معوض!

    في السنوات الاخيرة من حياة جورج حاوي، تغلبت لبنانيته على اي شىء آخر، لا لشيء سوى لانه ادرك أن استقلاليته التى كان يتمتع بها، والتي تجعل منه على مسافة معينة من اي نظام عربي، بما في ذلك النظام السوري، تشكل اكبر خدمة يمكن أن يقدمها للقضايا العربية التي يناضل من اجلها. وادرك خصوصا أن لبنان الحر والمستقل والديمقراطي افضل خدمة يمكن أن تقدم للعرب، الذين يفترض بهم الاقتداء بالتجربة الللبنانية، التي كانت دائما في حاجة الى تطوير بدل العمل على القضاء عليها.

     ولأنه رجل حر، تخلى جورج حاوي عن موقعه القيادي في الحزب الشيوعي اللبناني، وذلك من منطلق رفضه أن يكون هذا الحزب مجرد اداة سورية، في تلك السنوات التي كانت السياسة اللبنانية تسيّر من عنجر عبر الضابط السوري المسؤول عن الجهاز الامني المنتشر في لبنان.

    حافظ جورج حاوي على حريته، وخاطب سورية من موقع الصديق الحريص عليها وليس من موقع الاداة، وذلك بعد رفضه ان يكون الحزب الشيوعي في ايامه على غرار الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي لا دور لبنانيا له سوى تنفيذ الاوامر السورية.

    انفتح جورج حاوي منذ مطلع التسعينيات على كل اللبنانيين في كل المناطق. انهم اللبنانيون الذين ساروا في جنازته، مؤكدين أن لعبة الاغتيالات باتت مكشوفة، وان عقارب الساعة لن تعود الى الخلف، وان أفضل النصائح التي قدمت لدمشق هي تلك التي قدمها ويقدمها اللبنانيون الاحرار، الحريصون بالفعل على عروبة لبنان وعروبة سورية. بين هؤلاء كان رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وغيرهم، من الذين يمكن اعتبارهم شهداء احياء في نفس كل منا. كل ما اراده هؤلاء هو خدمة العرب وقضاياهم، بدل المحافظة على انظمة لا تريد الاعتراف بأن العالم تغير، وان الحرب الباردة انتهت، وان احداث 11 ايلول/سبتمبر حصلت بالفعل، وأن الجيش الاميركي بات في العراق الذي ليس معروفا هل سيحافظ على هويته العربية ام لا؟ هل سيقسم ام لا؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

opinions@alghad.jo

التعليق