"فالأذن تعشق قبل العين أحيانا"… أين الإذاعات الأردنية؟

تم نشره في السبت 25 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

  قد يكون إطلاق الإذاعات الخاصة مدخلا مهما لمحاربة الركود السياسي في البلاد. فالإذاعة تظل لها ميزات نسبية، تجعلها أكثر فاعلية من وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية، إن كان ثمة من يرغب في الوصول إلى حال سياسية صحية، نشطة ومزدهرة.

سيقال إن ثمة إذاعات خاصة، لكن هذه لا تؤدي الغرض، لأنها ترفيهية ولا علاقة لها بالسياسة. وسيقال إن هناك إذاعة عمان نت، إلا أنها تظل غير مسموعة بشكل كاف، بسبب الكلفة المرتفعة لاستخدام الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، ولقلة عدد مستخدمي الشبكة ابتداء. لكن الأهم من كل ذلك أنه سيقال إن أحدا لم يتقدم لإنشاء إذاعة سياسية خاصة.

طبعا ثمة عقبات قد تمنع الناس من الدخول في تجربة الإذاعة الخاصة. ومن خلال التجربة، فبإمكان بيروقراطي منغلق الفكر إجهاض أية فكرة مبدعة، من خلال ركام من الخبرات القمعية والقوانين الرجعية. لكننا نفترض هنا وجود إرادة سياسية، تسعى إلى خلاف ذلك، وتعمل على حث القوى السياسية على المبادرة.

فقانون الأحزاب الحالي يعطي الحزب حق امتلاك صحيفة يومية، فلماذا لا يمنح القانون المزمع أن تقدمه "الأجندة الوطنية" الحق للأحزاب في امتلاك إذاعة؟ وعلى أهمية الصحيفة اليومية، إلا أنها تظل أعلى كلفة من الإذاعة، أي لا يستطيع حتى أكبر الأحزاب وأثرى السياسيين تحمل نفقاتها. أما التلفزيون الخاص، فبالكاد تتحمل نفقاته دول أو شركات كبرى.

باختصار، الإذاعة تمتاز بالآتي:

أولا: قلة الكلفة ابتداء. وقد جعل التقدم التقني كلفتها في متناول الجميع. وإضافة إلى التجهيزات الرخيصة، لا تحتاج الإذاعة إلى كوادر ضخمة، صحفية وفنية، بل بإمكان بضعة أشخاص تشغيلها بكفاءة.

ثانيا: الانتشار الواسع. فلا يوجد بيت، أو سيارة، أو حافلة عامة، أو مكان عمل، لا يوجد فيه مذياع.

ثالثا: التفاعلية المفتوحة مع المستمع، وهي بذلك تتفوق على التلفزيون والصحف.

رابعا: حاسة السمع تعطي مزايا كثيرة؛ فإضافة إلى ما قاله بشار بن برد قديما:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة         فالأذن تعشق قبل العين أحيانا

تتيح حاسة السمع للمتلقي التركيز في أكثر من موضوع؛ بمعنى أنك تستطيع قيادة السيارة والاستماع للإذاعة في الوقت نفسه، وهذا غير ممكن في التعامل مع الصحيفة والتلفزيون. لكن ذلك كله لا يقلل من الخسائر الفادحة التي لحقت بالإذاعة بسبب التلفزيون والفضائيات.

لذلك نجد في بلد مثل الولايات المتحدة زهاء أربعة آلاف إذاعة. وحتى اليوم، وعلى رغم طغيان التلفزيون، لا يزال الرئيس الأميركي يوجه خطابه للأمة من خلال الإذاعة. أما عندنا، فضاعت الإذاعة في زحام الصحافة المكتوبة والمرئية.

ليس مجال الحديث هنا عن الإذاعة الرسمية للبلاد، بل عن إذاعات خاصة تشد آذان المشاهد، وهو ما يعود بالنفع على الإذاعة الرسمية من خلال خلق جو منافسة صحي. وقبل ذلك سيعود بالنفع على السياسة الأردنية، فقد تنجح الإذاعات في تطوير خطاب وإنتاج سياسيين.

فالحياة السياسية الأردنية تقترب من البدائية، أقله من حيث الأدوات. فما يسمى "صالونات" سياسية هي أدوات اتصال مباشر، عرفتها المجتمعات البدائية، ولا يمكن أن تنتج خطابا سياسيا، بل هي تندرج في إطار الغيبة والنميمة والثرثرة المرسلة. ومنتج كهذا بإمكان عواجيز الحارات إنتاجه في أزقتهن.

الإذاعة ستنقل السياسيين من الصالونات المغلقة، وقاعات الفنادق، ومؤتمرات ممولة أجنبيا إلى فضاء الجمهور، وستمكن الجمهور من الوصول إليهم من خلال وسيط عصري. فالوقوف أمام منازل النواب وفي مكاتب السكرتيرات ليس علامة عصرنة، فالسياسة ليست استجداء خدمات بقدر ما هي تعبير عن مواقف والتفاعل معها.

خيبة الأمل قد لا تكون برفض ترخيص إذاعة سياسية، وإنما بعدم التقدم لهذا الترخيص، والاكتفاء بما هو متاح من وسائل اتصال بدائي.

التعليق