مياه وظيفية!

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

بعد ان شعرت الحكومة بالراحة وبدأت تفكك ازمتها مع السادة النواب، التفتت الى حق المواطن في الحياة الكريمة، وضرورة تحسين مستوى معيشته، وقررت في مجلس الوزراء، مساء الثلاثاء الماضي، رفع اسعار المياه، او ما يسمى باللغة الرسمية "تعرفة المياه". لكنها كانت رحيمة بالاردنيين، فجعلت القرار يسري اعتبارا من بداية الربع الرابع! اي ان على الاردنيين ان يشعروا بالفرح والسرور لان القرار ليس مباشرا، وبإمكانهم ان ينعموا بالرفاه طيلة الشهور القادمة.

وحتى الآن ثبت ان هذه الحكومة لا تختلف عن سابقاتها. فالقرار الاقتصادي دائما يتحمله المواطن، وكل مسارات الاصلاح الاقتصادي تعني ان يتحول العبء من الحكومة الى الناس. وهذه المرة لم تتمكن الحكومة من القول ان القرار لن يصيب الطبقات الفقيرة؛ فرفع الاسعار شمل الفئات التي تستهلك اقل من 20 مترا مكعبا شهريا، اي ان هذا القرار عادل، لانه لا يستثني احدا من الاردنيين، بغض النظر عن موقفهم من الاصلاح او التعديل او مذكرة حجب الثقة.

والحكومة التي اتخذت هذا القرار هي التي اتخذت، قبل فترة وجيزة، قرارا بإعفاء سيارات السادة النواب من الرسوم الجمركية. وهذا الاعفاء وفر على ميزانية مجلس النواب 2 مليون دينار، اي ان على الناس ان ترى امامها قرارات غير منسجمة وغير مبررة.

فالماء الذي يشربه الاردنيون تم رفع اسعاره، اما تحالف الحكومة والنواب فلا يرى نفسه في حرج وهو يمارس ترفا في اعفاء جمركي بحوالي 2 مليون دينار من قبل الحكومة، ودفع حوالي 2 مليون دينار اخرى من مال الخزينة ثمنا للسيارات. والحجة انها سيارات وظيفية، تستحق ان تدفع فيها الملايين! لكن أليس الماء وظيفيا للاردنيين، وهو حق من حقوقهم اكثر من حق النواب والحكومة في تعزيز اسطول السيارات الرسمية بحوالي 115 سيارة من ذات المحركات الكبيرة على حساب ضرائب الاردنيين؟!

ربما على الحكومة ومجلس النواب، الذي اشبعنا تضامنا مع هموم الاردنيين ويمارس البرجوازية عبر الامتيازات، ان يدركا لماذا لم يعد الناس يحملون مكانة كبيرة لكل ضجيج المؤسسات ودورها. والسبب ان هناك ممارسات غير متجانسة، بل وقرارات متناقضة، اضعفت من مصداقية الحكومات وممثلي الشعب. فما قيمة اي حديث من الحكومة عن تحسين مستوى معيشة المواطن وهي ترفع ثمن مياه الشرب، او تستعد لرفع ثمن أسطوانة الغاز والكاز والبنزين؟! وما قيمة التعاطف الشكلي الخطابي للسادة النواب مع هموم الاردنيين والنائب ينشغل بامتيازاته وتقاعده، وثنائية التقاعد والراتب، والسيارة والسفر والمياومات؟!

ومع كل وجبة اسعار دسمة تقوم برفعها الحكومات تتحدث عن زيادة موازنة صندوق المعونة، وكأن المطلوب ان يتحول الشعب الاردني الى زبائن للصندوق، وان نعمم سياسة التجوال بدفتر العائلة على الصناديق واهل الخير! فحتى الان لدينا 80 الف اسرة تتقاضى مساعدات من الصندوق، واذا استمرت السياسات الحكومية برفع الاسعار فإننا سنجد هذا الرقم يتضاعف.

يبدو ان القصة ليست في تركيبة الحكومة وما تمثل من جغرافيا وسكان او فريقها الاقتصادي، بل في السياسات الاقتصادية التي لم تختلف من حكومة لاخرى. والعبء دائما على من نطالبهم جميعا بالمشاركة السياسية والذهاب الى صناديق الاقتراع. فلماذا يذهب الناس للانتخابات ما دامت ستأتي بمجالس نيابية توسع امتيازات اصحابها، وتغير انواع السيارات "الوظيفية"، وتمرر حكومات تتباكى على فقر الناس وتتخذ قرارات تزيد من اعباء هؤلاء الفقراء؟!

ستكون الحكومة اكثر قوة في اتخاذ القرارات الصعبة الخاصة بالاسعار بعد ان تأخذ ثقة واسعة من نواب الشعب، الذين سيفوضونها بإدارة الامور. واذا كانت هذه القوة عبر تعديلٍ يزيد من جيش الوزراء في الاردن، او خروج وزير، فهذا ثمن قليل امام الشرعية النيابية التي ستنالها الحكومة.

التعليق