شريان الدولة

تم نشره في الاثنين 13 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

اذا كانت مجموعات النخب تستمع باهتمام الى الخطابات الملكية في دافوس وجامعة شيكاغو، إذ إن هذه الخطابات احدى لغات تقديم الرؤية الملكية للنخب، في الاردن وخارجه، فإن هناك "لغة"، او لغات اخرى، لا يمكن لمؤسسة الحكم ان تتجاوزها في التواصل مع شرايين الدولة وعمودها الفقري؛ وهم عامة المواطنين في المدن والمحافظات والقرى المختلفة. فهذه الفئات الكبيرة من الاردنيين هم السوار الذي يحيط بالحكم، وهم اهم معادلات الدولة، حتى وان لم يجيدوا اثارة الصخب مثل نخب عمان وصالوناتها الموزعة بين معسكرات التحديث والجمود, فعامة الاردنيين هم خط الدفاع الحقيقي عن الدولة ومفرداتها، وإن لم يجيدوا اقامة علاقات مع بؤر الضغط الدولي، التي يستعين بها بعض نخب عالمنا العربي على دولها وانظمتها.

  امس زار جلالة الملك مدينة مأدبا، وهذه الزيارات جزء من الاداء السياسي لمؤسسة الحكم عبر العقود، وهي لغة هامة من لغات التواصل مع الناس في مدنهم وقراهم. ورغم ان البعض يرى في هذه الزيارات "بروتوكولات"، الا انها مستغرقة في الجوهر في بناء علاقة او تأكيدها، او بعث الطمأنينة في النفوس، في مراحل تعيش بعض القلق. كما انها زيارات يفهمها الناس بأنهم جزء من اجندة الحكم، وعلى سلم اولوياته. وربما لا يدرك البعض الأثر السياسي لتجول جلالة الملك في شوارع أية محافظة، ودخول بيوت الشعر، والحديث مع النساء والرجال، او السلام الشخصي المباشر على الافراد من وجهاء ومواطنين. فهذه اللغة يدركها اهل الحكمة في أية معادلة حكم، ويتجاهلها الذين يعتقدون أن إدارة الدول تتم عبر علاقات مع النخب، او تواصل عبر الاعلام او الوسطاء من حكومات او نواب او اعيان.

  ومما يلفت الانتباه، ما سمعه بعض الزملاء الصحافيين من مواطنين تحدثوا الى جلالة الملك وهو يتجول على بيوت الشعر المقامة في المدينة. والحديث رغبة اشار إليها الناس بوضوح، بانهم يودون لقاء جلالة الملك وحده، دون نواب او اعيان او مسؤولين حكوميين. والامر لا يحتاج الى تحليل؛ فالناس تشعر بعقم اداء هذه الهيئات، ولا يقنعها الا ان تنقل حاجتها الى الملك مباشرة، وربما لم يعد يقتنع الناس ان النائب يمثلهم، او ان الحكومات تحمل همومهم، فكل يبحث عن مصالحه. واكثر هيئات التمثيل، وهم النواب، فقدوا كثيرا من الدور المطلوب، وتبعثرت اولوياتهم.

  وفي زحمة الحديث عن الاصلاح ومعسكراته، فإن معسكر عامة الاردنيين هو الخندق الحقيقي، الذي يؤمن بالدولة وهويتها ومصالحها. وهم يفهمون الدولة باعتبارها خيارهم الوحيد، وأولوياتهم الامن والاستقرار، وحق العلاج، وفرصة التعليم، ولقمة العيش. وهم يقدمون التعريف العميق للاصلاح. كما أنهم المعسكر الذي لا يخذل الدولة، ولا يحمل في ذهنه تعريفات او تصورات مختلفة؛ فالدولة هي البيت والاسرة، والوطن منظومة اخلاص فطري.

  ادوات الحكم متعددة، لكن اكثرها قوة وعمقا تلك التي تزيد من حميمية التواصل بين مؤسسة الحكم والناس المتناثرين في المدن والقرى والبادية. واذا كان التواصل المباشر هو الأقوى تأثيرا، فإن وجود حكومات ومسؤولين اصحاب امتداد شعبي، مدركين لهموم الناس، وحريصين على التخفيف منها، هو احد ضمانات تحول التواصل الى عمل يومي لمفردات الدولة، وأهمها الحكومة.

  الاردنيون يحبون ان يروا جلالة الملك بينهم؛ يستمع إليهم.. يقترب من وجوههم المستغرقة في المعاناة.. يدخل بيوتهم ويشرب قهوتهم. ولا يجد اي منهم غضاضة في ان يقدم إلى جلالة الملك "استدعاء" يطلب فيه وظيفة لابنه، او مساعدة مالية. وربما لا يريد احدهم اكثر من ان يرفع يديه بالدعاء لله، او التعبير عن حبه وولائه، وهذا بحد ذاته تواصل له تعريف سياسي، ويزيد من اواصر العلاقة.

  رغم كل ضجيج السياسة في العاصمة، فان اهل الخبرة والحكمة يدركون ان العمق الاستراتيجي للدولة هم عامة الناس في المحافظات والاغوار، الذين لا يرون الاردن منصبا، او اعفاء جمركيا، او درجة عليا. وهم الذخيرة الحقيقية التي لا غنى عنها. وهم على قدر من القناعة، بحيث لا يريدون اكثر من حق الحياة، ومتطلباتها الأساسية.

التعليق