محمد أبو رمان

تقرير أوضاع حقوق الإنسان وما بعده

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

صدر عن المركز الوطني لحقوق الإنسان تقرير عن أوضاع حقوق الإنسان في الأردن (6/2003-2004)، ويمثل صدور هذا التقرير -بحد ذاته- خطوة إلى الأمام باتجاه الإصلاح السياسي والاقتصادي. فالتقرير بمثابة الوثيقة الوطنية الأردنية التي ترصد حالة حقوق الإنسان، والحريات العامة، والتجاوزات التي تتم في هذا المجال لتتضح معالم الأرض التي نقف عليها جميعا، ولتوضع ادعاءات مختلف أطياف الحياة السياسية على المحك؛ فحديث المعارضة عن انتهاكات لحقوق الإنسان، وإنكار الحكومة لهذه التجاوزات، لم تعد مسألة تكهن أو جدل بيزنطي مع وجود تقرير رسمي موثق معتمد من قبل مؤسسة جاءت بإرادة رسمية، تتوخى في تقييمها ومعلوماتها الدقة والحياد، وتكتسب أحكامها مصداقية كبيرة لدى الرأي العام الأردني والمؤسسات الرسمية.

ومما يعزز أهمية التقرير أنه يأتي في سياق ظروف سياسية داخلية مختلفة عن المرحلة السابقة، تعد بانفتاح سياسي، وتتزايد المطالبات بالإصلاح والمشاركة، والشفافية، والدعوة إلى قانون انتخابات جديد، واحترام حقوق الإنسان، وحرياته العامة والخاصة، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية في تفاصيل الحياة السياسية. ومن الواضح أن هذه الخطوات والمقدمات والإشارات تتم برعاية الحكم نفسه لتحسين شروط الحياة كي تتناسب مع المتغيرات المحيطة والاستحقاقات الداخلية، وقد جاءت توصيات التقرير لتنسجم معها وتؤكد عليها، وتعرض الوقائع التي تتناقض معها. بل من الملاحظ أن التقرير تميز بروح نقدية جريئة متميزة تخطى خلالها صبغة التردد واللفلفة ومسك "العصا من المنتصف"، وقدم رؤية تبعده كل البعد عن أي احتمال بالتواطؤ مع السلطة لإخفاء أية حقائق، فقد عنون التقرير حالة الحقوق المدنية والسياسية بالضعيفة، ووجه انتقادات صريحة للعديد من الممارسات السياسية السائدة والقوانين التي تحد من حالة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 بلا شك يتناول التقرير عناوين متعددة، تمثل درجة كبيرة من الأهمية في الحياة الوطنية، لكن ما أود التعليق عليه في هذا المجال قضايا محددة تطرق لها التقرير، وتستحق الاهتمام أيضا، نظرا لغيابها عن النقاش الإعلامي العام على الرغم من أهميتها وخطورتها، وأبرز هذه القضايا انتشار مرض السرطان في الأردن، الأمر الذي يعتبره التقرير "معضلة وطنية"، فهو موضوع بات بحاجة إلى دراسة حقيقية لأسبابه ووسائل مواجهته وأدوات الكشف المبكر عنه، وأن يصبح هما وطنيا معلنا لما له من أثار نفسية واجتماعية واقتصادية كبيرة على فئات كثيرة من المجتمع.

 أما بخصوص السلطة التشريعية، فيشير التقرير إلى خلل واضح في عملية إصدار القوانين وهو عدم اعتماد النواب على دراسات متخصصة ومعلومات دقيقة واستبيانات، والاكتفاء بمعلومات أولية أو انطباعات شخصية، وهذا يتنافى مع فلسفة إصدار القوانين والتشريعات التي يجب أن تتخذ طابعا علميا وموضوعيا، مما يستدعي  إعادة التفكير في طبيعة قسم الدراسات التابع لمجلس النواب، وآلية تفعيله وتوسيع دائرة عمله ليقوم بدور حقيقي في خدمة النواب وتزويدهم بقاعدة البيانات والمعلومات اللازمة، مما يؤدي في المحصلة لتلافي الأخطاء أو الآثار السلبية في القوانين الصادرة، كما حدث مع قانون الإيجار الجديد، الذي اعتمد دون وجود معلومات وبيانات دقيقة تشرح تداعياته ونتائجه على شريحة واسعة من المجتمع.

  للأمانة، هذه المرة الأولى التي يصدر -في الأردن- تقرير رسمي يضع مسألة حقوق الإنسان والحريات العامة، والانتهاكات أمام الناس بشكل منهجي، ويمثل – في الوقت نفسه - حالة متميزة في العالم العربي. وحين يصف التقرير حالة الحقوق المدنية والسياسية بأنها ضعيفة فهو يعطي "المشروعية" الواضحة المعلنة للتغيير والإصلاح.  فبهذه الروح الموضوعية النقدية، ومن خلال التوصيات الواضحة، يكون المركز الوطني لحقوق الإنسان قد أدى جزءا مهما من مهمته، والآن على الحكومة والبرلمان والقوى السياسية والمثقفين والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني متابعة هذه القضايا والتوصيات والدفع باتجاه الارتقاء بحالة حقوق الإنسان وضمانها في الأردن.

التعليق