رؤية جديدة لأوروبا

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    أعرب العديد من المواطنين في الدول الأربع والعشرين المشاركة لفرنسا في عضوية الاتحاد الأوروبي، أو الدول التي تطمح إلى الانضمام إلى عضوية الاتحاد قريباً، عن غضبهم ـ بل وسخطهم ـ إزاء رفض فرنسا للمعاهدة الدستورية للاتحاد الأوروبي. وبعد الرفض الهولندي تفاقمت المخاوف من انتشار حالة انعدام الثقة في المشروع الأوروبي.

    لقد جاء التصويت الفرنسي في الأساس معبراً عن رفضنا لطبقتنا الحاكمة، وعن قلقنا العميق بشأن مستقبلنا الاقتصادي. لقد كان تصويتاً معبراً عن البؤس والرغبة في الفرار، كما كان سلوكاً يغذيه الخوف بقدر ما يغذيه الغضب.

    لكن حجم الرفض عكس أيضاً الافتقار الدائم إلى تفسير واضح من جانب ساستنا لما يحققه الاتحاد الأوروبي للأوروبيين فيما يتصل بالثروة، والتنافسية، والرفاهية الاجتماعية، وبالطبع السلام. كثيراً ما يحط ساستنا من قدر أوروبا، وينسبون إليها شروراً (مثل البطالة) هي في الحقيقة نتيجة لأسباب عجز داخلية.

    ومثل الكثيرين في فرنسا، فأنا لا أعتقد أن مثل هذا التعبير عن الغضب يعني نهاية أوروبا. فنحن نستطيع، بل ويتعين علينا أن نتصرف بإيجابية. وبوسعنا أن نفعل هذا بأن نعود إلى المبادئ الأساسية، وأن نقدم للشعوب الأوروبية، بما فيها فرنسا وهولندا، تحديات جديدة وروحا أوروبية جديدة.

    في البداية، دعونا نسترجع الحقائق التي لا تقبل الإنكار بشأن الاتحاد الأوروبي. في المقام الأول فإن أوروبا تعني السلام. فلقد كان السلام في مركز القلب من طموح الآباء المؤسسين لأوروبا. ولقد عاد هذا الطموح إلى الظهور كقوة منشطة وموحدة مع انهيار الشيوعية، وحروب البلقان التي نشبت منذ عقد من الزمان. كما أن السلام يشكل قضية حية اليوم، إذا ما وضعنا في الاعتبار الإرهاب العالمي، والتحالف الأوروبي غير القابل للانفصام مع الولايات المتحدة.

    من الخطأ أن نتظاهر بأن خطر الحرب قد أصبح تاريخاً منسياً. وإذا ما تخلت أوروبا عن الحذر والاحتراس فإن عودة الصراعات الدامية ستصبح أمراً وارداً من جديد. وتستطيع أوروبا الموحدة أن تستجيب لمثل هذه المخاطر بأساليب ليس من الممكن أن تتسنى لدولة بمفردها. فضلاً عن ذلك، فإن أية دولة بمفردها لن تستطيع أن تلقي بثقل مؤثر في المفاوضات الدولية وتقدم الحلول للمنافسات الاقتصادية أو القضايا التجارية التي تهدد بالتحول إلى صدامات سياسية.

     كما أن أوروبا تجسد قيم الديمقراطية. فقد ساعد الاتحاد دولاً في جنوب أوروبا على الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية التي كانت تحكمها خلال فترة الثمانينيات، وساعد دولاً في شرق أوروبا على التحول إلى الديمقراطية في فترة التسعينيات.

    إن توسعة الاتحاد الأوروبي لا تعبر فقط عن واجب اقتصادي تتحمله الدول الأكثر ثراءً؛ بل إنها تعبر أيضاً عن الاعتراف بتاريخ مشترك وثقافة مشتركة. ولا نملك نحن في الغرب الثري الحق في التخلي عن هذه المهمة، ويتعين علينا أن نرحب في مجتمعنا بالدول الديمقراطية كافة الواقعة إلى الشرق من روسيا، إذا ما نجحت تلك الدول في الوفاء بمعايير الاتحاد الأوروبي.

    إن أوروبا تعني أيضاً الرخاء، كما تحمل الوعد بالرخاء للدول التي انضمت حديثاً إلى الاتحاد الأوروبي أو الدول التي ستنضم إليه قريباً. والحقيقة أن الدول كافة تواجه، بدرجات مختلفة، مشاكل اقتصادية. ولكن هناك نموذج اقتصادي واجتماعي في ذات الوقت، لا تجسده سوى أوروبا. وعلى الرغم من أن البنية الأوروبية كثيرة المطالب، إلا أنها ضرورية. وهي بعيدة عن كونها اقتصاداً موجهاً أو منظماً، قدر ابتعادها عن التشابه مع مبادئ فوضوية الحرية التي يخشاها العديد من الفرنسيين المعارضين للمعاهدة الدستورية. إنها بنية تعتمد على الانضباط والتضامن داخل وبين الدول الأعضاء، على نحو لا يجوز معه استثناء أية دولة.

    مما لا شك فيه أن اتحاداً أوروبياً آخر يكمن خلف مخططات الاتحاد العظمى، وهو اتحاد يتسم بالبيروقراطية المفرطة. ولكن لابد أيضاً وأن نعترف بأن الاتحاد الأوروبي تمكن من بناء نجاحاته من خلال حرصه على الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، وقدرته على تنظيم الحياة الاقتصادية لصالح الجميع. والحقيقة أن الاتحاد قد نجح بهذه الطريقة في تحقيق نقلة جذرية للاقتصاد والمجتمع نحو الأفضل.

    ولا يسعنا أن نغض الطرف عن المساومات التافهة بين زعماء أوروبا، والمشاحنات بشأن الميزانيات، وبروز الأنانية القومية كلما لاحت انتخابات في الأفق. والحقيقة أن مثل هذه المشاحنات السياسية تجعل الاتحاد الأوروبي يبدو وكأنه لم يعد يجد الحوافز والدوافع في الطموحات العظيمة النبيلة. وحتى المعاهدة الدستورية، التي كان ينبغي أن تمثل نداءً لكل الأوروبيين، سمحنا لها بأن تنجرف إلى مستنقع التفاصيل التافهة. واليوم لم يعد لدى أوروبا شخصية سياسية ذات مكانة عالمية تستطيع أن تقدم لأوروبا طموحاً يلقى استجابة بين عامة الناس.

    من هنا، فإن مهمتنا تتلخص في تقديم أساس جديد تقوم عليه أوروبا، وتوفير حافز جديد لها. لقد أصبحنا في حاجة إلى آباء مؤسسين -أو أمهات- وشعوب تتحرك من خلال فهم واضح لمصالحها، وحماس شعبي تجاه التكامل الأوروبي. ستكون الطريق طويلة وشاقة، لكننا ملزمون بالتحلي بالثقة في قدرتنا على الارتقاء بالسياسات المحلية الداخلية إلى اعتبارات أعظم.

     يتعين على الأكاديميين في أوروبا، وكبار الموظفين العموميين، ورجال الأعمال، والمسؤولين عن النقابات التجارية أن يعملوا في كيان واحد من أجل بناء مشروع يعبر عن تخوم جديدة لأوروبا. وإذا ما عجزنا عن بناء فكرة جديدة عن أوروبا ومن أجلها، فإننا بهذا نجازف بكل ما أنجزته أوروبا خلال الخمسين عاماً الماضية.

التعليق