عندما يتفق سفر الحوالي مع بول وولفويتز!

تم نشره في الثلاثاء 7 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

     شاركت العام الماضي في المنتدى السنوي لمجلة فورتشن الأميركية الشهيرة وكان أحد نجوم اللقاء يومها مساعد وزير الدفاع الأميركي وقتذاك، بول وولفويتز، الرئيس الجديد للبنك الدولي حاليا، المعروف بقدرته الخطابية وتمكنه من فنون الجدل. وكان يعلم، وهو عراب الحرب على العراق واحد صقور المحافظين الجدد، انه وسط بيئة معادية. فلقاء فورتشن يجمع جيل الشباب من رجال الأعمال، الذين صنعوا ثرواتهم من التقنيات الحديثة وتقنية المعلومات والإعلام، وهؤلاء في العادة ليبراليون اقرب إلى الحزب الديموقراطي، وبالتالي فهم معارضون للحرب. ومن ثم، فقد بدأ وولفويتز حديثه بسؤال جدلي: "من منكم يعرف عبد الرحمن ياسين؟"، كنت ضمن حفنة من الأشخاص لا يزيدون على قبضة اليد الواحدة ممن رفعوا أيديهم إيجابا. لم يلتفت إلينا، فلقد حقق هدفه، وهو إشعار المستمعين انه يعرف ما لا يعرفون، مما يضعه في موقف أقوى لتبرير لماذا اتخذت الإدارة الأميركية قرار الحرب! تكتيك ذكي يمارسه باستمرار المحافظون الجدد في أميركا، وعندنا أيضا.

       عرض وولفويتز بثقة ما يعرفه عن عبد الرحمن ياسين. قال انه أحد الإرهابيين الذين شاركوا في الاعتداء الأول على مركز التجارة العالمي العام 1992، وفد إلى العراق، حيث حصل على حماية نظام صدام حسين، ما يدل على أن النظام العراقي، الذي أسقطه جيش وولفويتز، متورط في الإرهاب والعدوان على الولايات المتحدة. رفعت يدي مرة أخرى، ولم يلتفت إليها وولفويتز، واستمر في تبرير الحرب بمعلومات بعضها صحيح  وآخر ملفق، لا تختلف عن الخدعة الكبرى التي مارستها الإدارة الأميركية بكاملها على الإعلام والأمم المتحدة والكونجرس، فقدمت في سبيل الحرب عشرات الصور والخرائط والمعلومات الاستخبارية، التي تبين اليوم أنها غير صحيحة، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الاعتذار، على الأقل لشعوبهم!

      ما ذكره وولفويتز عن ياسين ليس كل الحقيقة. لقد قابلت شقيق عبد الرحمن، واسمه مصعب ياسين، عندما كنت مراسلا للحياة، أغطي عملية تفجير مركز التجارة العالمي الأولى، وعلمت أن شقيقه حُقق معه وبُرأت ساحته، لكنه رحل سريعا إلى العراق خوفا أن يذهب ضحية رخيصة بين أرجل المدعي العام ورجال الـ"اف بي آي". والحق انه لو فتح تحقيق حقيقي في تلك الجريمة، بعيدا عن حالة البارانويا التي تعاني منها العدالة الأميركية، لربما ظهرت حقائق، وأبرياء كثر، ومتهمون آخرون، بعضهم يتبع أجهزة أمنية لدولة عربية، كان لها دور في التحريض ليس على الجريمة بل "تلبيس" بعض السذج في علمية أخرى ذات صلة، هي مخطط تفجير الأمم المتحدة. والذي لم يذكره وولفويتز أن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تطلب عبد الرحمن ياسين مطلقا من نظام صدام حسين! كما لم يذكر أين هو الآن وماذا حل به؟

        هذه التفاصيل لا تهم وولفويتز، وإنما يهمه "البناء الجدلي" لتبرير الحرب، وعملية خلق الكوابيس التي يستقوي بها تياره للاستمرار في سيطرته على السلطة، بإقناع الشعب الأميركي بحاجته له لحمايته من الأخطار المحدقة به. 

         ليس وولفويتز وحده من يجيد هذه الممارسة، وإنما لدينا محافظون جدد ناجحون في "بناء جدليات" يضعوننا بموجبها جميعا في حالة حرب واستعداد وتوثب، فيتطوع مئات من الشباب في حماسة واستعجال للجهاد، "مع العلم أن موقفنا عدم الذهاب إلى العراق"،  بينما الأصل أن "نشحذ همتهم لمقاومة أوجه العدوان المختلفة، من غزو فكري وسلوكي، ومن تبعية سياسية واقتصادية، ومن عوامل إفساد تحيط بالشباب المسلم من كل مكان. فالعدوان شامل، ومقاومته على كل الجبهات، واجبة كُلاًّ بحسب طاقته، بحكمة وعقل، تقطع مطامع العدو في جرّ شباب الأمة إلى ممارسات غير محسوبة العواقب، هذا مع التزامنا جميعاً بما يفرضه علينا ديننا من العدل، وحب الخير لكل الناس، وترك العدوان"، كما جاء في مقال نشره في الموقع الالكتروني المتطرف "الساحة العربية"، رئيس الحملة العالمية لمقاومة العدوان، الشيخ سفر الحوالي، أستاذ العقيدة السابق بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. وما سبق كان قولا متناقضا يجمع بين الاعتدال والتهديد، ويشبه ما يقوله وولفويتز وهو يشرح أهداف الحرب بنشر الحرية والديموقراطية والرخاء في العراق وما حوله. لكن مثلما يصعد وولفويتز في خطابه ضد الخصم، ويضع الشعب الأميركي في حالة هي خليط بين العدوانية والدفاعية، يفعل سفر الحوالي الأمر نفسه. إذ جاء جل مقاله بشكل تحريضي ضد شريحة واسعة من أبناء العراق، فيكون كمن صب الزيت على نار فتنة العراق، التي أشعلها متطرفون يعرفهم سفر جيدا، فلم يعتب عليهم بكلمة واحدة في مقاله الطويل، إلا بجملة مقتضبة، يُحمّل فيها الأميركيين مسؤولية غلوهم وتطرفهم (مساكين هؤلاء الغلاة الذين يستخدمهم الأميركيون)، فيشير إلى "ما صنعته المخابرات الأميركية وغيرها (في أفغانستان) من فرق غلو، وما زرعته من أسباب الشقاق، حتى ذهبت أرواح الملايين وآلاف المليارات عبثاً، بل وظفت في النهاية لخدمة العدوان الأميركي على أفغانستان، ولدينا هنا بهذا الخصوص حقائق لا يتسع المقام لذكرها، وقد لا تتسع بعض العقول لقبولها، ويكفي أن نحذر بكل قوة من تكرار ما حصل هناك" فمن يقصد؟ هل حديثه هنا عن القاعدة وزعمائها؟ هل يسري التحذير أيضا من الزرقاوي مثلا؟

       ولكنه، وبينما يتكتم هناك، يوضح هنا باتهام "مجموعات طائفية وشعوبية (استدعتها أميركا)، التي كانت تعتبرها إرهابية، وكان العالم الإسلامي يعاني إرهابها في موسم الحج الأعظم وغيره. وتعلم أميركا أن بعضها ينطلق من دولة تعتبرها من دول محور الشر، وترفض أميركا مشاريعها النووية ولو كانت سلمية.

        لكنها استدعت هذه المجموعات، وجعلتها حرسا على حدود الدول المجاورة، وبعضها صديق لأميركا، بل أدمجت هذه المجموعات الطائفية والشعوبية في الحرس الوطني والشرطة المواليين لها، وذلك يهدف من جملة ما يهدف إليه إلى إشعال حرب طائفية وقومية، تستر عورة هزيمتها. ومع ذلك تقول، وتريد أن تجبرنا أن نقول معها، إن كل من يُقتَل من هؤلاء هم أبرياء أو مدنيون أو من المارة، أما من تقتلهم قواتها في أي مكان فهم إرهابيون، وإن كانوا من الشيوخ الركع أو الأطفال الرضع" والحديث هنا عن الشيعة العراقيين الذين ادمجوا في الحرس الوطني والشرطة الموالين للولايات المتحدة حسب تعبيره. والعبارة واضح فيها رفضه إدانة استهداف هؤلاء بالقتل، فهل في هذا القتل ما يفيد العراقي ومستقبله؟ لا أتوقع أن يجيب، فهو يتفادى الإجابات الواضحة حول سؤال محدد، من نوع "هل تجيز استهداف الشرطة في العراق بعملية انتحارية أو سيارة مفخخة؟".

         إن في العراق أخطاء كبرى، وتجاوزات خطيرة وقع فيها الجميع، وجحيم أوقد جذوته الغزو الأميركي غير المبرر. وبينما يسعى العقلاء بين جيران العراق إلى احتوائه، ومعهم عقلاء في الولايات المتحدة يسعون إلى ترشيد قيادتهم، وذلك بتغليب التعاون والتوافق في داخل العراق وخارجه، فيما يريد المحافظون الجدد، عندنا وعندهم، دفعنا نحو حالة استقطاب لا مجال للرمادي فيها. فهم يستقوون بهذه الأجواء، ويشتد عودهم، فيسوقون العامة، التي أججوا مشاعرها بالغضب والكراهية أو بالخوف والتوجس.

         أتمنى على الزملاء رؤساء التحرير في صحفنا السعودية لو ينشرون مقالات الشيخ سفر في صحفهم، حتى لا نضطره إلى هذا العالم التحتي، فنكون كمن يعين الشيطان على أخينا. فموقع كالساحات، يعج بالمكفراتية والمبتدعة والمتطرفين، وفضيلة الشيخ اكرم من أن ينشر فكره بينهم. كما أتمنى على فضيلته شيئا من التواضع، فيحتمل مثلما نحتمل نحن الكتاب، مقص رئيس التحرير، الذي لا يكون دوما لأسباب رقابية، وإنما لأسباب فنية. وأن يحتمل النقد العلني الذي يأتيه بعدها، فلا يتمترس خلف عبارات من نوع "ابن تيمية عصره" أو "الشيخ العلامة"، ولا يتهم كل من خالفه بأنه من "العملاء والمنافقين الموالين للأميركيين في كل مكان". فهو لم ينفرد في انتقاد الغزو الأميركي للعراق، وإنما شاركه في ذلك كل من يسميهم ليبراليون أو علمانيون، والفرق الوحيد بينه وبينهم هو أن الآخرين يبحثون عن حل وتوافق، حتى مع الأميركيين، وهو يريد مواجهة، والفرق هائل بين الاثنين.

التعليق