حين تأتي "نعم" بمعنى "لا"

تم نشره في الاثنين 23 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

     يفترض أغلب المعلقين على نحو روتيني مبتذل أن تصويت الشعب الفرنسي بالموافقة على دستور الاتحاد الأوروبي المقترح في الاستفتاء الفرنسي المقرر إجراؤه في التاسع والعشرين من مايو، يعَد نتيجة طيبة بالنسبة لأوروبا والاتحاد الأوروبي. ولكن هناك من الأسباب ما يدعونا إلى التشكك في الحكمة التقليدية.

     سوف يقرر الاستفتاء الفرنسي المصير السياسي للرئيس الفرنسي جاك شيراك ـ وليس التزام فرنسا نحو أوروبا، فهو أمر ثابت وغير قابل للتغيير. وإذا ما صوت الشعب الفرنسي بالرفض فهذا يعني نهاية السيد شيراك. أما إذا صوت بالموافقة فهذا يعني إعادة تمكينه.

من الواضح أن إضعاف شيراك سيكون أفضل من إمداده بالقوة بالنسبة لوضع أوروبا، حتى إذا ما أدى هذا إلى تباطؤ مؤقت في سرعة خطوات التكامل.

      يمارس شيراك سياسة تقديم "كبش الفداء" وانتحال الأعذار. حيث يرى شيراك أن تخلف صادرات فرنسا لم يكن بسبب فقدانها لقدراتها التنافسية على المستوى الدولي ـ مع أن هذه هي الحقيقة، وعلى الأخص في مواجهة ألمانيا ـ ولكن بسبب قوة اليورو. وعلى نحو مماثل، فإن انحسار النمو الاقتصادي الفرنسي ليس بسبب فشل فرنسا في مباشرة الإصلاحات البنيوية اللازمة، ولكن بسبب ارتفاع أسعار الفائدة الأوروبية أكثر مما ينبغي.

تُـرى من يستحق اللوم في نظر شيراك؟ البنك المركزي الأوروبي بالطبع، لأنه سمح بارتفاع قيمة اليورو أكثر مما ينبغي، ولم يخفض أسعار الفائدة إلى الحد الكافي.

     مما يدعو للأسف أن هذا هو التصرف النموذجي المتوقع من الأسلوب الذي ينتهجه شيراك في القيادة، والذي يتلخص في انتحال الأعذار وتجاهل الإصلاح. وهذا هو النمط القيادي الذي لا تحتاج إليه أوروبا في سعيها إلى البقاء والازدهار في عالمنا المعاصر. لكن أوروبا سوف تُبتلى بالمزيد من هذا النمط القيادي إذا ما صوت الفرنسيون بالموافقة.

كما ستظل أوروبا واقعة تحت هيمنة مصالح الدول الكبرى، وستظل الدول الصغيرة في المؤخرة دوماً. ويتوقف مصير المحور الألماني الفرنسي بصورة خاصة على نتيجة الاستفتاء. حيث يؤدي التصويت بالموافقة إلى دعم ذلك المحور؛ بينما ينتقص التصويت بالرفض من قوته.

      في مقابلة جرت مؤخراً تساءل أحد سفراء الاتحاد الأوروبي: "من قد يتبع شيراك إذا ما صوت الفرنسيون بالرفض؟". "حتى برلين أمامها عدد من الخيارات". لكن برلين ما كانت لتتمنى التصويت بالرفض. ذلك أن سقوط شيراك يعني حرجاً شديداً بالنسبة للمستشار الألماني شرودر أيضاً. فلسوف يكون الرفض بمثابة حجر أصاب عصفورين.

       إن الأمل في إعادة تنشيط المحور الألماني الفرنسي هو الذي قد يجعل الهولنديين ـ الذين يؤيدون أوروبا المتكاملة على نحو تقليدي، ولكنهم لا يريدون أوروبا التي تعمل على تهميش الدول الصغيرة ـ يصوتون بالرفض في استفتائهم (الذي يأتي بعد الاستفتاء الفرنسي بفترة قصيرة) إذا ما صوت الفرنسيون بالموافقة. وإن الرفض الهولندي سوف يعني بالتالي رفضهم لأوروبا الشركات التي تهيمن عليها مصالح ألمانية فرنسية، كما أنه سوف يشكل احتجاجاً ضد السياسات المحافظة والأخلاقية غير الشعبية التي تنتهجها حكومة بالكينيد. فإن فرنسا ليست الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي يقودها زعيم غير محبوب.

      وتراهن أوروبا الشرقية أيضاً بالكثير على نتيجة التصويت الفرنسي. فلقد عبر شيراك على نحو شديد الوضوح عن مشاعره نحو الدول الأعضاء الجديدة الأصغر حجماً حين أمر تلك الدول بأن "تخرس" بسبب اختلافها معه في الرأي بشأن العراق.

     ومنذ فترة أكثر قرباً وبخ ميشيل بارنييه وزير خارجية شيراك الرئيس الروماني ترايان باريسكو بسبب افتقار الأخير إلى "الحس الأوروبي"، حيث يخطط باريسكو إلى ضم رومانيا إلى الانحياز برومانيا نحو السياسات الاقتصادية الليبرالية التي ينتهجها التحالف الأنجلوسكسوني، كما يرغب في إقامة علاقة خاصة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بهدف تحسين الأوضاع الأمنية في منطقة البحر الأسود.

      ولكن بدلاً من الانصياع إلى إرادة فرنسا، بادر الرئيس الروماني إلى تحذير زعماء فرنسا من الاستمرار في إلقاء المحاضرات على بلده ـ وهو ما يمثل إشارة أكيدة إلى تضاؤل نفوذ فرنسا حتى على الدول التي كانت تربطها بها علاقات تاريخية وثيقة.

سوف يتماشى التصويت الفرنسي بالرفض مع الدول الأعضاء الجديدة بالاتحاد الأوروبي من أوروبا الشرقية، التي تدرك أن شيراك ليس صديقاً لها، والتي تميل إلى الانجذاب نحو بشائر النمو الاقتصادي السريع أكثر من ميلها إلى نزعة الحماية الاجتماعية والأذى المتمثل في دولة الشركات.

        وفي النهاية، يطرح الاستفتاء سؤالاً لم يكن مطروحاً من قبل بشأن مستقبل اتحاد النقد الأوروبي واليورو. حيث يؤكد المعسكر المؤيد للموافقة أن رفض الدستور من شأنه القضاء على البنك المركزي الأوروبي وعملة اليورو. ولكن ما الذي يجعل الاتحاد الأوروبي يسقط في هوة الفوضى ولماذا يذوي اليورو إذا ما ظلت معاهدة نيس سارية الصلاحية؟ فمن المعروف أن الدستور الأوروبي لا يغير أي شيء فيما يتصل بمنطقة التكامل النقدي، إلا المسائل الخاصة بإجراءات التصويت في المجلس الحاكم إذا ما تجاوز عدد الدول الأعضاء في اتحاد النقد الأوروبي خمس عشرة دولة.

        لكن التصويت بالموافقة من ناحية أخرى من شأنه أن يشجع شيراك، بعد أن يعيد تثبيت أقدامه، على مواصلة سياسته التي تناهض الإصلاح وترمي إلى تقديم البنك المركزي الأوروبي ككبش فداء. ومما لا شك فيه أن الضغوط السياسية الخارجية سوف تتزايد على البنك المركزي الأوروبي ورئيسه جان كلود تريشيه بغرض إجباره على تخفيض أسعار الفائدة وتخفيض قيمة اليورو. وإذا ما حدث هذا فمن المرجح أن يكون أشد دفعاً لليورو نحو الانهيار من أي تصويت بالرفض.

ميلفين كراوس كبير زملاء بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد.

خاص بـ "الغد"، حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

التعليق