أميركا والمشروع الإيراني في العراق

تم نشره في الأحد 22 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

 ليس صدفة أن يأتي وزير الخارجية الايراني الدكتور كمال خرازي الى العراق بعد ثمان وأربعين ساعة من الزيارة المفاجئة التي قامت بها للبلد وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس. جاء خرازي ليؤكد ان ايران موجودة في العراق، بل موجودة بقوة فيه، وهو لم يكتف بلقاء رئيس الدولة ورئيس الوزراء وكبار المسؤولين بل زار المرجعية الشيعية الابرز الممثلة بآية الله السيستاني الايراني الجنسية الذي لعب دورا أساسيا في نجاح الانتخابات الاخيرة ودعم القائمة الشيعية التي سيطرت عمليا على المجلس الوطني الجديد.

ما يمكن قوله: إن زيارة وزيرة الخارجية الاميركية للعراق في غاية الاهمية خصوصا ان رايس جاءت لتؤكد انه لا يمكن تجاهل السنّة العرب كشريك في صياغة الدستور العراقي الجديد. وهذا الدستور سيكون معمولا به مستقبلا، أي بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني الذي انتخب مع 30 كانون الثاني الماضي في غضون سنة من تاريخ حصول الانتخابات. جاءت رايس لتقول، ولو متأخرة، إنه يجب أخذ العلم بأن العراق الجديد لا يمكن أن يقوم على خلل في التوازن. وكان بين الأمور التي طرحتها تأجيل محاكمة صدام حسين ولو بضعة أسابيع أو أشهر وذلك بهدف التخفيف من موجة العنف التي تقف خلفها تنظيمات سنية متطرفة. كذلك جاءت رايس لتقول ان الادارة الاميركية تمتلك مشروعا سياسيا للعراق وان الديموقراطية التي تنادي لا يمكن ان تعني انتقال العراق من ديكتاتورية النظام البعثي - العائلي الى ديكتاتورية هيمنة طائفة معينة على البلد بحجة أنها تمتلك "الأكثرية"، علما بأن موضوع "الأكثرية" في العراق يمكن أن يطول ويطول، وفوق ذلك كله، يمكن تصور أن وزيرة الخارجية الاميركية جاءت لتؤكد انه لولا الحملة العسكرية الاميركية لما سقط النظام العراقي ولكان بقي سنوات اخرى في السلطة بفضل قدرته على ممارسة القمع بفضل الآلة العسكرية والامنية التي كان يمتلكها. وهذا يعني أنها هي التي حررت الشيعة والاكراد ولا أحد سواها.

لكن الزيارة الأهم لبغداد، كانت زيارة وزير الخارجية الايراني وهي الأولى من نوعها التي يقوم بها مسؤول في هذا المستوى منذ سقوط حكم الشاة في العام 1979. جاء خرازي ليقول إن لإيران ايضا مشروعها السياسي في العراق. والحقيقة انه يستطيع قول مثل هذا الكلام في ضوء خروج الدكتور اياد علاوي من رئاسة الحكومة وحلول السيد ابراهيم الجعفري مكانه وتولي السيد جلال طالباني رئاسة الجمهورية. فالجعفري على الرغم مما يقال عن حساسية ما لديه حيال طهران، كان لاجئا في ايران قبل سقوط نظام صدام حسين. اما طالباني فهو مدين للنظام الايراني الذي مكنه من الوقوف في وجه مسعود بارزاني لدى حصول المواجهة العسكرية بين الحزبين الكرديين الكبيرين منتصف التسعينات. واذا عدنا الى التاريخ السياسي لطالباني لوجدنا انه كان دائما على علاقة طيبة بطهران منذ العام 1979، بل كان رجلها في الوسط الكردي العراقي ولا شك ان قبلاته الحارة لخرازي خير دليل على ذلك.

تستطيع ايران الاستفادة من عوامل كثيرة بينها الحرب الاميركية على العراق التي صبت في خدمة مصالحها وأوصلت كل حلفائها ورجالها الى مواقع أساسية في العراق. حتى "لواء بدر" وهو ميليشيا شيعية تابعة لـ "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية"، صار في الاراضي العراقية، و"لواء بدر" كان قبل ذلك في ايران وعناصره ايرانية وعراقية، وقد اشرف على تدريبه "الحرس الثوري".

وليس سرا ان ايران كانت الدولة الوحيدة في المنطقة التي أيدت الحرب الاميركية على العراق ليس من منطلق أن سقوط نظام صدام حسين سيكون انتقاما تاريخيا فحسب، بل ان اي عراق جديد سيكون منطقة نفوذ ايرانية متى حطمت الولايات المتحدة المؤسسة العسكرية العراقية. وهذا ما فعلته بعد اسابيع من دخول بغداد حيث اتخذ بول بريمر الحاكم العسكري للعراق قرار حل الجيش العراقي. في ظل الغياب العربي عما يدور في العراق، وبعدما دفعت ايران في اتجاه ايجاد جو عدائي مع الاردن، امكن تخفيفه نسبيا بفضل السياسة الهادئة والحكيمة التي اتبعتها عمّان، كان لا بد لخرازي ان يأتي الى بغداد خصوصا ان المحسوبين على ايران في كل مكان. وبين هؤلاء السيد احمد الجلبي الذي عرف كيف يحافظ على رأسه وأن يعود الى موقع يستطيع من خلاله خدمة السياسة الايرانية من جهة، والقول للاميركيين انهم لا يستطيعون الاستغناء عنه من جهة أخرى.

 يبقى السؤال الاساسي هل في استطاعة الادارة الاميركية عمل شيء في مواجهة المشروع الايراني للعراق، ام عليها قبول الامر الواقع حتى لو أدى ذلك الى سقوط المشروع الخاص بها؟... أم أن الولايات المتحدة تعتبر في النهاية ان معركتها مع النظام الحالي في ايران معركة بعيدة المدى وان المواجهة مع هذا النظام ستبدأ عمليا في مجلس الامن بعد نقل الملف النووي الايراني اليه؟ في كل الاحوال، لم يفت طهران عبر زيارة خرازي لبغداد توجيه رسالة الى كل من يهمه الامر، خصوصا في واشنطن، ان العراق ساحة من الساحات التي تستطيع ان تلعب فيها وأن لديها أوراقها المتنوعة هناك. أكثر من ذلك أرادت إيران أن تقول على الأرجح عبر تثبيت مواقعها في العراق انها قوة اقليمية يصعب تجاوزها وانه ليس في الإمكان تسليمها الورقة النووية من دون مقابل. 

التعليق