الليبرالية وقوى الشد العكسي

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

  أثمّن عاليا مقالة الدكتور فواز الزعبي حول الليبرالية. ولا شك بان مقالته تعتبر وثيقة مهمة تساهم في إثراء الجدل الدائر في الأردن حول طبيعة الإصلاحات المطلوبة، التي لم تعد ترفا وإنما ضرورة، إن أراد الأردن أن يتقدم سياسيا واقتصاديا. واتفق مع الدكتور إبراهيم سيف في مقالته، في الزميلة "الدستور"، عندما انتقد غياب الحس المعرفي في التعامل مع مقالة الزعبي. وحقا فإنه لمثير للشفقة الحديث عن الليبرالية وكأنها تهمة، في حين أن النهج  الذي كان سائدا ومجربا لم يعد على الأردن الا بمديونية عالية، وفقر متزايد. ولعل الجميع يتذكر ان إنقاذ الاقتصاد الاردني، الذي  كان على وشك الانهيار عام 1989، نتيجة لحقب من هيمنة القطاع العام والمركزية وغياب الشفافية والفساد ونمط الحماية وتكميم الأفواه، تم بفضل الوصفة الليبرالية التي توجه اليها سهام النقد غير العلمي، والمستند الى  أيديولوجيات بائدة.

  في ادبيات الاقتصاد السياسي الدولي هناك ثلاث مدارس عامة، تناولت موضوع التنمية، بشقيه السياسي والاقتصادي؛ وهي الواقعية/الوطنية، والماركسية، والليبرالية. اخفقت المدرسة الأولى بشكل واضح في تحقيق التنمية في دول العالم الثالث، واخفقت إحدى الصيغ المشوّهة للماركسية في الاتحاد السوفياتي، أما الليبرالية، فهي النموذج الوحيد المجرّب في الغرب، والتي حققت قفزات غير مسبوقة في التنمية. ومن هنا، فالليبرالية السياسية والاقتصادية هي نموذج مطبق في دول تتقدم العالم في كل مناحي الحضارة. أما غيرها من النماذج، فهي مطبقة في دول تتصدر العالم في الفقر والبؤس والإحباط. وهناك الكثير من الأمثلة التي تدعم هذا التحليل.

  لا اعرف لماذا استكثر البعض أن يكتب فواز الزعبي مقالا بهذا الشكل؟! فهو لا يأتي بجديد، والكلام الذي ذكره نكرره في كل مناسبة. أما اتهام الليبراليين على أنهم عملاء لاميركا، فهي محاولة بائسة، ولا تستحق الرد. والتيار الوحيد الذي تحالف مع الإدارة الاميركية الريغانية المحافظة، في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي، هو ليس غير أحد التيارات الاسلامية. والتيارات الاسلامية والقومية والوطنية في الأردن لا تقدم أية إجابة تشفي الغليل في مواضيع التنمية الاقتصادية والسياسية. وبعض هذه التيارات تتهرب من عدم القدرة على تقديم إجابات، بالتشبث بمقولة انهاء المعاهدة مع اسرائيل، ومقاومة التطبيع. وإذا كان لهذين الموضوعين قبول ما في الشارع الاردني، فان تصورات الاسلاميين، الاجتماعية والاقتصادية، غير مقبولة لغالبية الشعب الاردني. وهذا لا يعني أنه ليس لهم حق العمل السياسي، وانما يجب ان يفهموا أن الاردن التعددي يتسع للجميع، وإن محاولاتهم الغرامشية لفرض رؤاهم ومقولاتهم، التي تستند على الغيبيات، لا يمكن أن تكون إلا نوعا من الديكتاتورية الفكرية، وهذا أمر مرفوض. وتعمل هذه القوى الثلاث مجتمعة كقوى شدّ عكسي، وهي تتفق مع البيروقراطية التي لها مصلحة في إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه.

  أما مقولة أن تبني وجهات النظر الليبرالية، التي تضمنتها مقالة الزعبي، سيؤدي الى توطين الفلسطينيين، وتفكك الهوية الاردنية والدولة فهذا كلام أقل ما يمكن وصفه بالضعف والتحريض. فالهوية ليست معطى ثابتا، وانما نتيجة حراك اجتماعي وسياسي واقتصادي، قابل لإعادة التشكيل. والحديث عن الهوية الوطنية الأردنية بهذا الشكل ينطوي على مفارقة تاريخية. وفي العولمة الاقتصادية فإن مستقبل الدولة الوطنية، كتشكيل اجتماعي، ليس مستقرا، ولا توجد خطورة تفكيك بنية الدولة، وكأنها كيان إذا ما فكك لا يستطيع الحركة.

  البعض ما زال يدعو الى هيمنة القطاع العام، في الوقت الذي يشهد فيه العالم انحسارا لدور الدولة، وإنشاء مؤسسات فاعلة وصغيرة الحجم. والبعض يختبىء خلف مقولة سيادة القطاع العام، لتمرير فهم إقصائي، وفرض هوية ضيقة وإقصائية لأعداد كبيرة من السكان.   وهذا لا ينسجم مع الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المترتب على وجود نصف سكان المملكة من أصل فلسطيني. الوصفة الوحيدة التي تستطيع مساعدة الاردن هي الليبرالية السياسية والاقتصادية، التي تأخذ بعين الاعتبار التركيبة الديموغرافية والاجتماعية في الأردن، ولكنها لا تبقى فزاعة الهوية الوطنية للتستر خلفها.

التعليق