التعميم والتجريم في أسئلة الهوية والإصلاح والديمغرافيا

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

منذ بضع سنين، تزخر الصحافة الأردنية وجلسات "المثقفين" بحوارات وأسئلة الديمقراطية والإصلاح السياسي، واستتباعاتها في قضية توطين اللاجئين الفلسطينيين. وقد أفرز ذلك إصرار البعض على تثبيت مفاهيم "الثقافة الوطنية" و"الهوية الوطنية" للأردن، وتعريفها بمجموعة من المعايير والقيم التي يستوجب على المرء التزامها حتى يكون أردنياً، مما يشكل مدخلاً لنفي الانتماء للأردن عن كل من لا يلتزم بتلك المعايير، وبرهنة عدم استحقاقه لصفة المواطنة التي يطالب بها. وقد توسع الحديث عن الثقافة والهوية في الفترة الأخيرة بالتزامن مع أحاديث الإصلاح السياسي حتى بات الاثنان يمثلان معاً موضة واحدة.

ومن الضروري القول ان مفاهيم "الهوية الوطنية" و"الثقافة الوطنية"، في هذا العصر التي لا تعترف بالأمكنة هي مفاهيم هلامية وأن الإصرار على ترديدها لا يصنف إلا في خانة الأدلجة، فتحديد معايير معينة للثقافة الوطنية، وإجبار الناس على الالتزام بها لا يختلف شيئاً عن سلوك الأحزاب الشمولية التي حكمت جوارنا العربي منذ نصف قرن وجرتنا جميعاً إلى الهاوية. وهكذا فإن "الثقافة الوطنية" الحقيقية ليست مجموعة من الشروط، وإنما هي حاصل ما هو قائم فعلاً في سلوك المجتمع وقيمه ومعارفه.

لا بد أن نتحدث في المفيد. وأول المفيد أن نطلب تفسير معنى "الفلسطينيين" في الأردن. فتلك كلمة بحاجة إلى توضيح؛ "الفلسطينيون" ليسوا كتلة واحدة، لا بالمعنى الثقافي ولا حتى السياسي، فسياسياً مثلاً: هناك من  "الفلسطينيين" من تعود جذورهم إلى فلسطين المحتلة عام 1948، ومنهم من تعود جذوره إلى الأرض المفترض إقامة الدولة الفلسطينية عليها. فإذا كان العرب يعترفون رسمياً بأن الأرض المحتلة عام 1948 هي "إسرائيل"؛ فعن أي مضمون لحق العودة يتحدثون؟.

 إن ترتيبات السلام المفترض يجب أن تضمن عودة الفلسطينيين إلى أرضهم وبلادهم، و"البلاد" تعني الحقوق المعيشية ونظيرتها السياسية، وهذه لن تكون متاحة إلا للفلسطينيين الذين ينتمون إلى الأرض المحتلة عام 1967، أما من تعود أصولهم إلى الأرض المحتلة عام 1948 فليس أمامهم إلا الحصول على أحد الحقين في حال "العودة"، كالتالي:

1- إذا عادوا إلى داخل "إسرائيل" أي إلى أرضهم، فسيحصلون على الحقوق المعيشية دون السياسية، وسيستعيدون الأرض والبيت لكن لن يحصلوا على المواطنة الكاملة التي لا تتحقق إلا داخل الدولة الوطنية؛ أي الفلسطينية.

2-إذا عادوا إلى الدولة الفلسطينية المفترضة، فسيحصلون على المواطنة والحقوق السياسية، لكنهم لن يستعيدوا بلداتهم ومدنهم وبيوتهم.

أسوأ حل للمشكلة، أن يتم على حساب الأردن، وذلك أمر لا يرجوه أحد للبلد الذي قدم للاجئين الفلسطينيين الاستضافة والكرامة وفرصة الحياة. لكن من الضروري أيضاً الحديث عن الأمر بموضوعية أكبر،  فلا بد  أن نحرص على مصلحة الأردن ونضعها في أول الأولويات. ومن مصلحة الأردن أن لا نحل مشكلة إسرائيل الديمغرافية على حساب الأردن، فتلك أولاً وأخيراً مشكلة إسرائيل، لكن من الضروري أيضاً أن نكون موضوعيين في الحديث عن موقع "الفلسطينيين" في الأردن في حل تلك المشكلة، ومن ذلك أن لا يظل الفلسطينيون الذين تعود أصولهم إلى الأرض المحتلة عام 1948 بلا "مواطنة" أي بلا حقوق سياسية سواء عادوا أم لم يعودوا.

 ليس هناك كتلة واحدة اسمها "الفلسطينيون" حتى يعمم البعض حديثه بشأنهم في مسألتي "حق العودة" و"المواطنة"، وكأنهم جميعاً يعيشون ظروفاً واحدة ويواجهون الفرص نفسها. ثم لماذا يرقى الحديث عن مبدأ المواطنة في الإصلاح السياسي إلى تجريم الدعاة إليه؟! فالمواطنة جزء من القيم المدنية التي لا بد منها لنهضة أي دولة، وتطوير نمطية تفكير شعوبها، ونوعية الروابط التي تقوم عليها مجتمعاتها، وهي لذلك "مبدأ" يحتاجه الجميع دون النظر إلى أصولهم.

العودة عودتان: واحدة لأصحاب 1948، والثانية لأصحاب الدولة الفلسطينية الممكنة. العودة الثانية يجب أن تتحقق بكاملها  فلا شيء يمنعها موضوعياً إذا تم "السلام"، والتقصير فيها سيكون على حساب الأردن، ولمصلحة إسرائيل، وهو لذلك يرقى إلى مرتبة الجرم. أما العودة الأولى فهي التي يجب أن تكون مطروحة للنقاش بما يتناسب مع الواقع القائم فعلاً، وهي التي لا يجوز تجريم مفاهيم المواطنة والمدنية لأجلها، إذ سيكون غريباً أن يُطلب من أصحاب العودة الأولى أن يقبلوا السلام والاعتراف بإسرائيل، ثم لا يطالبوا بالمواطنة أبدا!.

 وضمن التفريق بين "العودتين" يجب الحديث عن الإصلاح وإمكانياته ومحاذيره، لأن استمرار الخلط بينهما لن ينتج شيئاً قابلاً للحياة. وذلك وحده هو سبيل تحقيق مصلحة الأردن، لا محاولات أدلجة الدولة الأردنية التي يقوم بها أدعياء الوطنية الذين يسيئون للأردن بحثاً عن مصالحهم الشخصية في أضيق تجلياتها.

الفلسطينيون في الأردن يحبون الأردن ويحرصون على مصلحته. تلك هي الحقيقة الكاملة التي عند "الأغلبية الصامتة".

التعليق