إبراهيم غرايبة

حتى يسير الإصلاح في الاتجاه المطلوب

تم نشره في الثلاثاء 17 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

    لدينا وزارة للتنمية السياسية، وجامعات وبنى تحتية متقدمة للإنترنت والاتصالات، وشكلت لجان كثيرة ومتنوعة للإصلاح والتنمية، ويعلن دائما عن نوايا جادة وحقيقية لمكافحة الفساد، وتعقد جلسات استشارية عدة تسمى "خلوات"، وربما يكون ثمة دراسات واستراتيجيات كثيرة تفكر لنا، وتفكر بالنيابة عنا، وتبدي البروجكترات والكمبيوترات في فنادق أسطورية رسومات بيانية وجداول تعبر عن نتائج عظيمة وتحولات مدهشة، ونحتاج فقط أن نصدقها.

     ولكن حتى نفهم الأشياء كما هي نحتاج أن نعرف العلاقة بين البرامج الإصلاحية وبين زيادة الضرائب والأسعار، والفساد المتمكن والمتمأسس، وعدالة الفرص، وتأهيل المجتمعات والموارد، والأزمة الدائمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والخصخصة الانتقائية المصحوبة بالاحتكار على نحو يشبه التحول إلى إقطاع فظيع، والبطالة، والتلوث، وأزمة الموارد، وترهل المؤسسات التعليمية والصحية، والتصحر، وانتهاك الحريات والحقوق العامة، وضعف نمو الناتج المحلي والمدخرات المحلية والوطنية، وعجز الموازنة العامة، واتساع مساحة الفقر والمرض، وتزايد الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وتهميش فئات واسعة من المجتمع. ولا يمكن لفترة طويلة تمرير الطريقة الإعلامية والكرنفالات على المواطنين على أنها برامج وخطط إصلاحية، كما لو أنهم يتسلون في سيرك عظيم، أو يشاركون في شيء من قبيل التلفزيون الواقعي.

      مازالت الحكومات والنخب تتجاهل دور المجتمعات الأهلية والطبقة الوسطى التي أضعفتها التحولات السياسية والاقتصادية، وتغولت عليها الحكومة والطبقات الجديدة الطارئة والمعزولة، وتنامي التطلعات الاستهلاكية وزيادة الأسعار والضرائب، ولا يبدو أن ثمة برامج حقيقية لاستعادة دور هذه المجتمعات والطبقات وإعادة إنتاجها وتفعيلها.

       وفي جميع الأحوال، وأيا كانت البرامج والأفكار متقدمة وأنيقة، نحتاج إلى إجابة على أسئلة مثل، كيف تحل أزمة الماء، الذي يهدر معظمه أثناء نقله في الأنابيب ولا يصل إلى العطشى، ويحرم منه المزارعون، ولكنه قادر دائما على الوصول إلى برك السباحة في عمان؟ وكيف يساعد اقتصاد المعرفة الناس ليحصلوا على احتياجاتهم الأساسية ضمن قدرات دخولهم؟

       مشهد المعلوماتية والاتصال، الذي نظن أننا ندخل في عالمه، يبدي مشهدا مثيرا كاريكاتوريا، من بيوت ضيقة فقيرة وبائسة لا توفر سكنا حقيقيا، وبعضها بلا حمامات ومطابخ، ومعظمها بلا تدفئة، ولكن تنتصب فيها أطباق التقاط بث الفضائيات، وتمتلئ بالحواسيب والهواتف النقالة والتلفزيون والفيديو، وأجهزة قراءة الأقراص، إذ يوجد في الأردن حوالي 1.35 مليون رقم هاتف نقال، ونحو 340 ألف خط هاتفي ثابت (عدد السكان خمسة ملايين ثلثهم على الأقل في المدارس).

       وتقترب أرقام استهلاك المكالمات من السبعمائة مليون دينار، ويدخن الأردنيون بـ300 مليون دولار، وتعاني نسبة عالية من النساء والأطفال من سوء التغذية وفقر الدم، وتكشف الإحصاءات الرسمية أنه بينما تضاعفت جرائم المخدرات في السنوات العشر الأخيرة أكثر من خمسة أضعاف، تناقصت الأنشطة الثقافية من المحاضرات والندوات والمسرحيات إلى الخمس.

        تبدأ الديمقراطية والإصلاح عندما يسند "الضمان الاجتماعي" إلى مموليه الحقيقيين، من مئات آلاف المشتركين، ولا يعقل في موجة الخصخصة والليبرالية أن تبقى أموال المواطنين الخاصة مؤممة تحت وصاية الحكومة، وأن يقتطع منها لمدراء ومجالس إدارة وموظفين مفروضين عليها رواتب خيالية، وأن تدار استثماراتها وأموالها على نحو لا يعلم عنه المشتركون، ولا يوافقون عليه.

        ويفتح المجال للمؤسسات الصحية العلاجية الخاصة وشركات التأمين الصحي، ولكن يفرض على صناديق ومؤسسات التأمين الصحي أن تظل قطاعا عاما تديره الحكومة بعيدا عن الممولين. ومع الاتجاه لإلغاء وزارة الثقافة يترك المجتمع ليدير مؤسساته الثقافية التي تعاني من الضعف والفقر حتى مع دعم الحكومة تؤمم بتشدد المساجد التي يبنيها المواطنون بأنفسهم وأموالهم.

التعليق