من العولمة إلى الإمبراطورية:من السيارة ليكساس إلى السيارة 4×4

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً


 

    إنه الداعية المبهور بالعولمة، هكذا وصفت اللوموند ديبلوماتيك المحرر النجم في نيويورك تايمز كما يوصف عادة، وأقصد توماس فريدمان وذلك بمناسبة صدور كتابه

 " ليكساس وشجرة الزيتون: فهم العولمة ،1999" وهو يعترف بذلك، ففي تقديمه لكتابه السالف الذكر يذكر فريدمان الحادثة التالية: دعاني ناشر الكتاب ومحرره جوناثان جلاسي في أحد الأيام، وقال :"كنت أقول لبعض أصدقائي إنك تؤلف كتاباً عن العولمة فقالوا، أوه، فريدمان، إنه يعشق العولمة ".

     فما قولك في ذلك ؟" أجبت جوناثان بأنني أكن شعوراً جارفاً تجاه العولمة مثلما أشعر تجاه الفجر. وأرى بوجه عام، أنه لمن النعم أن تطلع علينا الشمس كل صباح. إنها تفيد أكثر مما تضر. ولكن حتى إذا لم أكن أعبأ كثيراً بالفجر فلا حيلة لي في ذلك. أنا لم أبدأ بالعولمة، ولا أستطيع في الوقت نفسه إيقافها، إلا بثمن باهظ على حساب التنمية البشرية ".

      بين الداعية المبهور بالعولمة وبين عاشق العولمة، ثمة مسافة يقطعها فريدمان ركضاً باتجاه عشيقته، دون أن يلتفت إلى ما سماهم ذات مرة بـ " حساد العولمة "وهو يشير هنا إلى المثقفين الفرنسيين من ريجيس دوبريه الذي راح يكثر من الحديث عن انحطاط أميركا الحضاري والثقافي والذي يريد له أن يتم بعيداً، عند ضفة الأطلسي البعيدة، لكي لا يجرف معه الثروة الإبداعية للشعوب المتحضرة والتعبير لدوبريه، إلى جان بودرياد الذي استفاض في بحثه عن الأسباب الموضوعية للعنف الموجه ضد أميركا المعولمة، إلى آخرين لا مجال لذكرهم الآن. فمن وجهة نظر فريدمان في كتابه السالف الذكر، أن الفرنسيين يعادون بالسليقة العولمة، أما المثقفون العرب من أصحاب الثقافة الفرنسية فهم مثال آخر على الإعاقة المزدوجة في فهم العولمة، وأسوأ توليفة ممكنة لفهم ظاهرة العولمة والتعبير له؟.

       يصر فريدمان على أن العولمة هي ما هو جديد، فالجديد يكتسب قيمته بذاته لكونه جديدا : تعريف مغر لا يقبله الكثير من المدعوين إلى حفل الكوكتيل الخاص بفريدمان،

 ولكنه لا ينسى أن يحف تعريفه بتعريف فضفاض آخر، فالعولمة هي النظام الدولي الجديد والديناميكي الذي حل محل نظام الحرب الباردة الذي قسم العالم إلى قبيلتين متناحرتين لا توسط بينهما. وكداعية جديد ، يجهر فريدمان بصوته أن هلموا إلى "حفل الكوكتيل الخاص بي" وفي إطار هذا الحفل، يخص فريدمان زواره بمفاجأة، لنقل بزيارة إلى جناح السيارة الفارهة ليكساس luxes، فالسيارة المذكورة هي رمز هذا العصر المعولم وهنا يتحدث عنها فريدمان باستفاضة، بعد أن ينقل زواره إلى مصنع سيارات ليكساس خارج مدينة تويوتا جنوب طوكيو والذي ينتج من هذه السيارات الفارهة 300 سيارة يومياً يصنعها 66 إنساناً بشرياً و 300 إنسان آلي (روبوت).

         يتساءل فريدمان ويسأل زواره: ما الذي تمثله السيارة ليكساس ؟ ويجيب: إنها تمثل مسعى أساسيا للإنسان منذ بدء الخليقة ومع سفر التكوين التوراتي كما يحلو لفريدمان أن يؤرخ له، إنها تمثل السعي نحو الرزق والتقدم والازدهار والتحديث حسبما يدور في لعبة نظام العولمة اليوم. السيارة ليكساس تمثل كل الأسواق العالمية المزدهرة, والمؤسسات المالية وتكنولوجيا الكمبيوتر التي نسعى من خلالها إلى رفع مستويات المعيشة اليوم، وذلك على نحو مطرد وبخاصة في البلاد المتقدمة، فالكل يحلم بارتداء الأحذية ماركة نايك، والتسوق في أسواق متكاملة واستخدام أحدث الشبكات الجديدة ، والسعي نحو الأحسن دائماً، وتلك كما يقول فريدمان هي دراما السيارة ليكساس التي تتجاهل أحلام المتشبثين بشجرة الزيتون كما هو الحال في الشرق الأوسط، حيث الصـراع حـول من يملك شجرة الزيتون (يلاحظ القارئ كيف يختزل فريدمان هذا الصراع دون أن يتذكر الاحتلال الصهيوني).

          لا يجامل فريدمان زواره، فالعولمة هي انتشار للأمركة، بدءاً من البيج ماك والأيماك وانتهاء بميكي ماوس، على نطاق يشمل العالم. وعلى الكل أن يغذي السير باتجاه العولمة /الأمركة، وهنا يكمن دور الولايات المتحدة الأميركية ، فأميركا يجب ألا تأخذ برفق أولئك المتفيئين بشجرة زيتونهم، بل تجلدهم، تجلد الجميع كما يقول فريدمان حتى يسرعوا في سيرهم ويسيروا على نغمات الثقافة الأميركية نحو العالم السريع، فالراعي الأميركي عليه أن يقود القطيع إلى مرعى العولمة، حيث مطاعم ماكدونالدز وكنتاكي ومراعي التسوق الاستهلاكية، وأن يجلد القطيع إذا تاه عن المرعى الجديد، وأحياناً أن يستخدم سكينه لذبح أي فرد من القطيع إذا سولت له نفسه الخروج عن القطيع، وهذه هي بعينها إيديولوجيا الراعي

والقطيع المأخوذة بالجملة من العهد التوراتي القديم كما بين ميشيل فوكو في حفرياته في العقل السياسي. فالراعي الجيد هو من يأخذ قطيعه إلى المرعى الجيد ولكنه في النهاية يملك التصرف بقطيعه، فيشرع لنفسه بيع القطيع أو ذبحه، وهذا هو المضمر في خطاب فريدمان والذي كثيراً ما يستعير بواعث التعبير عن نفسه من العهد القديم وهذا ما يصرح به فريدمان ويعترف به.

       ما يخافه أفراد القطيع العالمي أن الراعي الأميركي الذي يقود قطيعاً من الماشية ذات القرون القصيرة (شركات المضاربة) والماشية طويلة القرون(الشركات متعددية الجنسية) التي من شأنها أن تدهس شعوباً بأكملها، مسكون بهاجس الهيمنة وليس أخذ الجميع إلى جنة العولمة، فسلوك الراعي الأميركي ينطوي على نزعة إمبراطورية كما يرى أنطونيو نيغري في كتابه المقدس كما وصفته نيويورك ريفيو أوفابوكس والذائع الصيت وأقصد "الإمبراطورية: إمبراطورية العولمة الجديدة "تقطع مع عصر العولمة، أو تتعايش معها بشكل مريح وهذا ما يخشاه إدوارد سعيد الذي سبق له أن بين لنا ذلك التعايش المريح واللافت للنظر بين جسد الثقافة الإنسانية والإمبريالية. فالراعي الأميركي يمتطي صهوة نمر العولمة كما يقول فريدمان وليس حماراً كما في الميثولوجيات القديمة، وعلى الأغلب فهذا النمر هو من وحوش الحديقة الجوراسية (اسم فيلم لستيفن سبيلبرغ) وهذا ما يفسر هذا التحول عن السيارة ليكساس باتجاه السيارة الأميركية الجديدة السبور 4×4 التي يستقتل الأميركيون على امتلاكها والتي هي سيارة كبيرة جداً وثقيلة جداً ومحركها يوزع التلوث على مساحة كيلو من الجانبين. والتي تستهلك كميات هائلة من المواد النادرة لتؤمن سلامة المحظوظين الذين يستخدمونها، ولكنها تعرض الآخرين للاختناق والموت، وقد ثبت أن معظم حوادث السير ناتجة عن هذه السيارة - الفخ، ويرى محمد عابد الجابري في مقابلة معه 14/6/2003 وهو من المعادين بالسليقة للعولمة حسب التصنيف التبسيطي لفريدمان أن السياسة الخارجية الأميركية في عصر الإمبراطورية، هي صورة طبق الأصل عن هذه السيارة: إنها تدعي القيام بمهام على غاية من الأهمية، ولكنها ليست أكثر من عدوان فاجر على حقوق الآخرين، بل وعلى إنسانيتهم، وهذا ما لا يراه السيد فريدمان؟؟.

كاتب سوري

التعليق