"النكبة" بعد أن صارت مجرد ذكرى

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

 

 

    تغيرت مكانة "نكبة" فلسطين لعام 1948 في المخيلة العربية "النضالية" كثيراً في وقتنا الراهن عما كانت عليه وقت حدوثها وخلال العقدين التاليين له. فقد افتتحت مرحلة ما بعد النكبة بتصويرها على أنها مشكلة المشاكل والسر وراء كل معضلة تعانيها الأمة العربية، لينتهي الأمر الآن لتركها للفلسطينيين وحدهم على قاعدة "كلٌ يقلع شوكه بيديه"!

     تأسست تنظيمات سياسية وكفاحية كبيرة منذ أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات هدفها الوحيد تحرير فلسطين، أي أنها كانت تعتبر المشكلات العربية الأخرى كلها قابلة للحل إذا ما استُرجعت فلسطين وانتهت نكبتها، ووظفت دول عربية طاقاتها وإمكاناتها لتوعد الدولة الصهيونية باعتبارها السرطان الذي يؤخر نهضة الأمة، واعتبر العرب القضية الفلسطينية قضية مركزية، أي أنهم اعتبروا تحرير فلسطين هدفاً أسمى وغاية نهائية أو "استراتيجية".

       إذا كان لنا اليوم أن نراجع ذلك الموقف من النكبة (المعلن، والذي كانت الناس تُحشد على أساسه بغض النظر عن مدى صدقيته واقعياً) مراجعة متأنية فسيتبين كم كان "متطرفاً" من حيث جعلها سبباً لكل شيء. فالحقيقة أن احتلال فلسطين ونكبتها لم يكونا إلا نتيجة لحال عربية صعبة، متخلفة بالمعنى الحضاري، تماماً كما كان وقوع البلدان العربية تحت الاحتلالات الأوروبية، بما فيها فلسطين نفسها، نتيجة للأمر نفسه. ولو كانت نكبة فلسطين هي سبب مآسي العرب لما كانوا الآن يكافحون من أجل الديمقراطية والإصلاح والحرية بمعزل عن الموضوع الفلسطيني، إذ كان المفترض أنهم يعيشون حياة هنيئة بعد أن فكوا ارتباطها بالنكبة.

      التراجع الحاصل اليوم في مكانة نكبة فلسطين لدرجة النظر إليها باعتبارها مجرد ذكرى تتم استعادة مشاهدها سنوياً، لم يخرج هو أيضاً عن حالة من حالات التطرف، فوجود "دولة" كإسرائيل في قلب العالم العربي بما تمثله كرأس حربة للمشروعات الإمبريالية الأميركية لا يمكن تجاهله وعدم اعتباره أحد عوامل الشد ضد انتقال الأمة إلى حال حضارية أفضل. ما يعني أن مكانة النكبة راوحت بين تطرفين ولم تأخذ مكانها الطبيعي في حصيلة الأسباب والنتائج لما يعانيه العرب منذ عقود وحتى اليوم.

       ما يجب قوله بعجالة، لأنه أمر يستحق بحثاً طويلاً، أن نكبة فلسطين تقع في حالة وسطى بين أن تكون سبباً لكل عيب يعانيه العرب وأن تكون على غير علاقة بتخلفهم الحضاري الراهن. لقد كانت النكبة وقيام إسرائيل واحدة من أسباب التدخل الأميركي في المنطقة الذي أخذ اسم "ملء الفراغ"، وكانت مع اكتشاف النفط سبباً لدعم أميركا اللامتناهي للقمع السياسي والاستبداد المطلق الذي يعيشه العرب وبالتالي سبباً أساسياً لما مروا به من جهد منظم ومركّز نفذه "القمعيون" للحيلولة دون دخولهم في العصر وتحولهم من رعايا إلى مواطنين، فهي إذاً لا يمكن إلا أن تكون على علاقة بهذا التخلف القائم. لكن نكبة فلسطين نفسها لم تكن لتحصل لولا قصر يد العرب عن التخلص من الاستبداد وتنفيذ مشروع حقيقي للنهضة يشمل التحرير والديمقراطية والتنمية الوطنية.

       ولأن النكبة تقع موضوعياً في تلك الحالة الوسطى، فإن تحولها اليوم إلى مجرد ذكرى لا يمكن أن يفيد من يعتقدون أن ذلك يخدم التركيز على قضايا الإصلاح والتنمية والمطالبة بالديمقراطية في بلدانهم. ذلك أن تلك القضايا تظل على علاقة مباشرة بوجود إسرائيل في هذا المكان الجغرافي، ما يعني أن الأفضل إعادة إدماجها في "استراتيجيات" العمل الشعبي في البلدان العربية كواحدة من قضايا الشعوب العربية كلها، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى العودة بها إلى المكانة المتطرفة التي جعلتها مركزاً لكل أزمة في العالم العربي من شاطئه إلى شاطئه.

samerkhraino@hotmail.com

التعليق