أوان المصالحة بين اللبنانيين والفلسطينيين

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

    لأعوام طويلة، لم تكن المصالحة اللبنانية – الفلسطينية موضوعاً حاضراً بقوة في لبنان، في ما خلا حفنة من المثقفين اللبنانيين فشلوا في انجاز تقدم ملموس في هذا المجال، رغم نجاحهم في مجالات اخرى، تتصل باستعادة حيز للديموقراطية في البلاد، او العلاقات اللبنانية – السورية. وفي الجهة الفلسطينية ايضاًَ، لم تحضر هذه الفكرة بقوة الا في مناسبات قليلة، خلال مقابلات تلفزيونية، او زيارات قامت بها، بين الفينة والاخرى، شخصيات فلسطينية، كانت لها تجربتها في بيروت. واذا كانت القيادة الفلسطينية راغبة في تطبيع العلاقات مع لبنان، الا انها كانت تدري ان وصاية الحكم السوري على السياسة اللبنانية تعطل ذلك.

    أما السواد الاعظم من فلسطينيي لبنان، فقد غلب عليهم الهمّ الحياتي الملح، في ظل قيود على العمل والتملك مفروضة عليهم دون سواهم من غير اللبنانيين. وقد كانت الرغبة في التفلت من هذه القيود، وراء سعي بضعة آلاف من فلسطينيي لبنان الى الاستفادة من مرسوم التجنيس الجماعي، الصادر عام 1994، وهو الامر الذي تم تضخيمه كثيراً في السجال السياسي المحلي، ففاقم هاجس "التوطين" الذي يسكن قسما كبيرا من اللبنانيين.

     لم يختف هذا الهاجس اليوم، هذا مؤكد، لكن الانقلاب الحاصل في السياسة اللبنانية، مع انسحاب الجيش السوري ومخابراته، يتيح فرصة حقيقية لاحراز تقدم في اتجاه المصالحة بين اللبنانيين والفلسطينيين، وذلك لأن اللبنانيين قد يستشعرون، ربما للمرة الاولى، حاجتهم الذاتية الى مثل هذه المصالحة.

    اولاً، لأن الحديث عن طي صفحة الماضي، الذي شاع في سياق الحركة الاستقلالية الاخيرة، يعطي حيثية للمطالبة بأن تشمل المصالحة مع الآخر ومع الذات، العلاقات اللبنانية – الفلسطينية. وثانياً، لأن كل المعنيين بالشأن العام يدركون ان عودة لبنان بلداً طبيعياً لن تكتمل الا بمعالجة عاقلة لملف اللاجئين الفلسطينيين فيه.

    وفي هذا الجو الجديد، قد يصبح ممكناً البناء على بعض الايجابيات القليلة التي امكن رصدها في مرحلة ما بعد الحرب، والتي ظل يحجبها السجال الموبوء حول "التوطين"، ولعب الحكم السوري وحلفائه المحليين على هذا الوتر.

     ولعل الانجاز الابرز يكمن في التصالح مع فكرة فلسطين نفسها، من خلال استعادة بيروت الجانب النيّر من تاريخها الفلسطيني، مع الزيارات المتعددة لكل من ادوارد سعيد ومحمود درويش، والانشطة التي اقيمت في الذكرى الخمسين للنكبة. وكان لاندلاع انتفاضة الاقصى اكبر اثر في هذه المسيرة، اذ ازال مشهد الشعب الفلسطيني المقاوم اكاذيب الدعاية الرسمية، التي استغلت اتفاق اوسلو لتقيم معادلة، لا يقبلها عقل، بين الفلسطينيين والاسرائليين! وجاء المهرجان الشعري الذي احياه محمود درويش، بمشاركة ماجدة الرومي، امام نحو ثلاثين الف مشاهد في المدينة الرياضية، ربيع عام 2000، ليتوج هذا التصالح مع فلسطين الفكرة والنضال. اما في ما يخص فلسطينيي لبنان، فالايجابية كمنت في تبني عدد من المثقفين والناشطين في المجتمع المدني مطلب تحسين الظروف المعيشية للاجئين، ومنحهم الحقوق المدنية.

    يبقى ان التعاطي الايجابي مع مسألة الحقوق المدنية للاجئين ظل محصوراً في اوساط النخبة الثقافية، ولم يطاول الا اطرافا قليلة في الجسم السياسي، وهي التي تستطيع الآن ان تأخذ على عاتقها مهمة المصالحة اللبنانية - الفلسطينية. لكن اتمام هذه المصالحة يتطلب ألا يكون قد تخلى عنها الطرف الفلسطيني. او لنقل بتعبير ادق، انه يتطلب من الفاعلين في وسط فلسطينيي لبنان الامتناع عن اضافة عوائق جديدة، تضاف الى العوائق الموروثة من العهد السوري.

     فكأنه لم يكف العلاقات اللبنانية – الفلسطينية ما حملته مرحلة الوصاية السورية من "تفخيخ". إذ شهدت الاشهر القليلة الماضية تراجعاً مقلقاً في التعاطي السياسي الفلسطيني مع المحيط اللبناني، وبدا واضحاً ان رحيل الرئيس ياسر عرفات ترك حركة "فتح" في لبنان من دون بوصلة. وقد بادر الحكم السوري الى الاستفادة من هذا الغياب، لادخال "فتح" بين ادوات اللعب في يده، مستغلاً حالة التهميش الذي كان قد فرضها سابقاً على كوادرها، واذ بسلطان ابو العينين، مسؤول "فتح" في لبنان، يستقبل فجأة في دمشق، رغم حكم الاعدام الغيابي الذي كان صدر في حقه من محكمة لبنانية، بتدبير من المخابرات السورية نفسها.

    وزادت الاخطار المتأتية من هذا" التفخيخ" حين بدأت التحضيرات للخروج السوري ثم بعد اتمام الانسحاب. وتبرع مسؤولون في "فتح" بتصريحات يرفضون فيها القرار 1559، من باب التنديد بـ"التدخل الدولي"، والتأكيد على ارادتهم الاحتفاظ بأسلحة المخيمات، خلافاً لنص القرار. ولم تفكك قواعد "القيادة العامة" على مشارف بيروت وفي البقاع. وامعن السيد احمد جبريل في رفضه العلني تفكيكها، ووصل الامر الى حد اطلاق طلقات تحذيرية عند اقتراب لجنة التحقق الدولية، التابعة للامم المتحدة، من احدى هذه القواعد في البقاع، وكأن "القيادة العامة" تسعى الى اعادة انتاج التناقض اللبناني – الفلسطيني، في اللحظة التي تخرج فيه سورية من اللعبة.

    وقد ساهم في اشاعة روح من سوء التفاهم تمسك فاروق القدومي، رئيس حركة "فتح"، بضبابية بدت تصب في مصلحة الحكم السوري. ولعل هذا ما استدعى تحرك محمود عباس، رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير، الذي بادر الى الاتصال برئيس الحكومة اللبنانية، مؤكداً له الدعم الكامل للسيادة اللبنانية.

     لكن المسألة الاهم تبقى اعادة تنظيم حركة "فتح" في لبنان، منعاً للاختراقات، ويبدو ان ابو مازن يتجه الى ارسال وفد الى لبنان لهذا الغرض. فالفرصة اثمن من ان تفوت، ولا شيء يبرر ان يعطي فلسطينيو لبنان، وهم في هذه الحال من المعاناة، ذرائع لأولئك اللبنانيين الذين قد يرفضون المصالحة، بسبب غرائز موروثة من عهد آخر.

التعليق