ياسر أبو هلالة

في الدفاع عن القطاع العام أو "الهوية"!

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

     لست مولعا بالقطاع العام. وحتى اليوم، لم أعمل في مؤسسة حكومية، ولم أقدم طلب توظيف ابتداء. وفوق ذلك، لا يوجد مواطن لم يكتو بناره، بطأ، ورتابة، وعجز  وفشل،...لكن، "وفي هذه الظروف الدقيقة"، ينطبق على القطاع العام المثل القائل "نارك ولا جنة أهلي".

    فهذا القطاع يتعرض منذ عقد ونصف، إلى تقليص جعله في حدوده الدنيا، والباقون فيه، هم إما لا يستغني عنهم، أو لا يستغنون عنه. ومع ذلك، يتعرض لهجمة متواصلة، أساسها افتراء يقول إن المنتجين في الأردن، أي القطاع الخاص، هم 15 في المائة، يعيلون باقي المجتمع غير المنتج، أي العاطلين عن العمل، ومنهم العاملون في القطاع العام. والمجتمع بين من يدفع ضرائب ومن يقبض رواتب، من له الحق ومن لا يستحق.

    هذا الافتراء يفترض أن الأردن من بلدان أوروبا الاسكندنافية، وليس للدولة من دور غير تنظيم علاقاتها بالأمم المتحدة، وفتح سفارات لتأمين سفر مواطنيها لغايات السياحة والتجارة. والواقع، أن الأردن بلد في عين العاصفة‘ و"على حافة الهاوية" و"بين الحربين: فلسطين والعراق" ... ولولا القطاع العام (من وزارة الدفاع إلى وزارة الصحة) لما كان ثمة بلد يستثمر فيه الخمسة عشرة في المئة. ولمن يتغنون بتجربة الحريري في لبنان، فإن عليهم أن يعترفوا أن جل المليارات التي دفعت، منحا ومديونية، استخدمت في ترميم الدولة وبنائها، ليتمكن القطاع الخاص من الحركة في محيط آمن.

      أصحاب الفرية يتعامون عما يجري في العراق، وكيف أن غياب القطاع العام يجعل كل الثروات، نفطا ومياها وبشرا، لا قيمة لها. فالعراقيون، مستعدون لأن يدفعوا للقطاع العام أضعاف ما ندفع، مقابل أن يحصلوا على نصف ما نأخذ. وهو ما ينطبق أيضا على القطاع العام في مناطق السلطة الفلسطينية. أما سورية، فزيارة لها تجعلك تعتقد أنك مقيم في سويسرا، سيما ما خص شرطة السير والجمارك!

      ويحدثونك عن الفساد، وهو لا علاقة له بالجسم الأساسي لقطاع العام. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتقرير التنمية الإنسانية في خمس دول عربية منها الأردن، فإن الأكثرية تعتقد أن الفساد يتركز في أوساط المسؤولين السياسيين (وجلهم من القطاع الخاص)، فيما يندر في أوساط صغار الموظفين. وفي أكثر الأحوال، يكون الفساد شراكة استراتيجية بين الكبار في القطاعين.

     لكن بأي حال، فإن الدفاع عن القطاع العام لا يعني الدفاع عن سرطان الفساد، الكفيل بنخر الصين الشعبية، بل إن ما يبدد فسادا وهدرا، يفوق ما يبدد على فائض العمالة، إن وجد! وعلى سبيل المثال، عندما يدفع زهاء مليوني دينار على ترميم مبنى يستخدم لأيام فقط في العام، فإن ذلك يعني الإنفاق من مال دافع الضرائب ما يكفي لحل مشكلة البطالة في قرية، أو ابتعاث جميع أبنائها للدراسة في أرقى الجامعات!

      علينا أن نعترف بأن القطاع العام في الأردن قدَم أفضل بيروقراطية في العالم العربي، وبأبخس الأثمان. مثال عايشته مع والدي، رحمه الله، الذي ألف مع الدكتور نهاد الموسى، أمد الله في عمره، مناهج اللغة العربية للمرحلة الثانوية، فكانت ثورة في مناهج التأليف في السبعينيات. وأعير والدي لبرنامج تطوير الحرس الوطني السعودي، وتوفي ونحن نسكن بيتا مستأجرا! ومثله آلاف، لو اتجهوا للقطاع الخاص لأثروا، وغدوا من فئة الخمسة عشرة في المئة.

       الدفاع عن القطاع العام لا يعني الهجوم على القطاع الخاص، والبلاد لا تحلق بجناح واحد. ولنتحدث بعدل ونزاهة، فقد تكون الأولوية في مرحلة ما للقطاع العام، كما كان الحال في عقدي السبعينيات والثمانينيات، وقد يتقدم القطاع الخاص، كما في هذا العقد. والأهم من ذلك، الانتباه للحساسيات في منطقة لا تحتاج من يشعل عود ثقاب في مستودع البارود. والقطاع العام في الأردن مشبع جدا بالحساسيات، المرتبطة بأشد قنابل العالم فتكا: "الهوية"!

التعليق