هل لدينا حقّاً فائض من الشعارات والتنظيرات؟

تم نشره في الاثنين 9 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

      كثيراً ما سمعنا أحد العاملين في الحقل السياسي، أو حتَّى الاجتماعي، يدعو -وكما لو أنَّه اكتشف للتوّ قانون الجاذبيَّة- إلى العمل "بعيداً عن الشعارات"، أو "بعيداً عن التنظير"!

إنَّه، مع الأسف، لا يفطن، بسبب النقص المعرفي على الأرجح، إلى كونه في الواقع وبصورة صريحة، يمجِّد الأميَّة والعشوائيَّة، ويدعو إلى نبذ التخطيط والتفكير وبعد النظر. فالإنسان عندما ينشط في حقلٍ معيَّن، يجب أن يضع نصب عينيه هدفاً معيّناً ليحقِّقه، وخطَّة محدَّدة يسير وفقها ليحقِّق هدفه. وإذا لم يفعل، فإنَّه يترك نفسه للظروف تتحكَّم به حسب تطوُّراتها، وتحدِّد له خطَّ سيره كيفما اتِّفق لها. فهل لمثل هذا الشخص أن يفخر عندئذٍ أنَّه بلا خطَّة وبلا هدف؟!

       هناك وهم، سببه الأميَّة الثقافيَّة المستشرية، مفاده أنَّنا في البلاد العربيَّة عموماً، نعاني من فائض من الشعارات والتنظيرات، والحقيقة عكس ذلك تماماً. فنحن بدلاً من ذلك نعاني في الواقع من فائض من اللغوّ الأمِّي المماثل لعبارتي: "بعيداً عن الشعارات" و"بعيداً عن التنظير". فأين هي الشعارات، لدينا، التي تحدِّد بدقَّة الأهداف التي يجب تحقيقها، انطلاقاً من فهم حقيقي ومدروس للواقع الفعلي، وليس المتوهَّم؟! وهذا هو بعض دور التنظير؛ التنظير الحقيقي وليس الزائف. فمن يقول: "بعيداً عن التنظير"، هو أيضاً يحاول أن يُنظِّر، ولكنَّ تنظيره عامِّي، وسطحي، ومبتذل. وعلى أيَّة حال، فالشعارات أحياناً قد لا تكون دقيقة أو مناسبة تماماً للاستجابة للظرف الموضوعي، وقد لا تعبِّر عن المهمَّة المطروحة على جدول أعمال مرحلة معيَّنة بصورة صحيحة، كما قد تخطئ محاولة مجتهدة لسبر الواقع نظريّاً، أو ربَّما تكتفي بسبره جزئيّاً. ولكن، مع ذلك، فهناك فرق هائل بين من يفكِّر ويخطِّط ويحاول أن يفهم، وبين من لا يفكِّر ولا يُخطِّط ولا يتعب دماغه بأيّ محاولة للفهم؛ ناهيكم عن أنَّه يتباهى بجهله، وتأخذه العزَّة بالإثم.

        وفي كثير من الأحيان تجري المقارنة، كما هي العادة، مع المجتمعات الغربيَّة المتقدِّمة؛ والشائع لدينا أنَّها مجتمعات "عمليَّة". وطبعاً تُفهم "العمليَّة" هنا كنقيض للتنظير. أي، بالفهم العامِّي: المجتمعات الغربيَّة ناجحة لأنَّها تضطلع ب‍"أعمالها" مباشرة؛ بدون أن يسبق ذلك أو يرافقه أيّ تفكير نظري، وبدون أن تكون هناك شعارات، كما لو كان "عملها" ذا طابع غريزي، كعمل عاملات النحل. والحقيقة أنَّ هذا غير صحيح. فالمجتمعات الغربيَّة المتطوِّرة مليئة بمعاهد الدراسات والبحث المهمَّة، التي تدرس الواقع المحلِّي باستمرار، وتدرس المحيط الإقليمي والظروف الدوليَّة السائدة، وتقدِّم رؤيتها لاحتمالات المستقبل، وتتخيَّل السيناريوهات التي من الممكن أن تتطوَّر وفقها الظروف المحليَّة أو الإقليميَّة أو الدوليَّة، والسبل المناسبة في نظرها للتعامل مع كلّ سيناريو. ثمَّ أنَّها تعمد في النهاية إلى وضع الإطار النظري لكلّ هذا، لتصل من خلاله إلى الرؤية الشموليَّة المتعالية لواقع مجتمعاتها وما يحيط به على المستوى القريب والبعيد، وفي الحاضر والمستقبل.

        فبدون الإطار النظري لا يمكن رؤية الواقع من كلّ جوانبه، وفي محدِّداته الأساسيَّة وجوهره. وبدون ذلك نكون كمن يضع عينه مباشرة على شيءٍ ما لكي يراه ويعرفه. فلا يرى منه في النتيجة إلا بقعة صغيرة مضبَّبة ولا يعرفه. وتحضرني هنا نكتة العميان الذين اصطدموا في أثناء سيرهم بفيل؛ فراح كلٌّ منهم يتحسَّس جزءاً من أجزائه، ويسمِّي من خلال تحسُّسه لهذا الجزء ما يتوقَّع أن يكونه هذا الشيء الذي اصطدموا به. وبالنتيجة فلا أحد منهم تمكَّن من معرفته. لأنَّه ما من أحد منهم تمكَّن من إدراكه كلّه. وهذا ما يقوم به التنظير؛ أي النظر من مسافة كافية لإدراك الواقع بكليَّته، وليس بتفاصيله فقط؛ وفي سيرورته التاريخيَّة، وليس في لحظته الراهنة فقط، كما هو شأن الفكر اليومي(بحسب توصيف مهدي عامل).

وفي الغرب، هناك دائماً منظِّرون كبار، يقدِّمون أفكاراً ذكيَّة مدهشة. والسياسيُّون هناك لا يديرون ظهورهم لهذه الأفكار التي تنتجها المعاهد المتخصِّصة والمفكِّرون المجتهدون، بل من المعروف أنَّ السياسيات في تلك الدول المتقدِّمة تُرسم بناء على نتائج تلك الدراسات والأفكار. فأين نحن من هذا كلّه؟! والمشكلة أنَّنا نتوهَّم مع ذلك بأنَّ لدينا فائضاً من الأفكار والتنظيرات والشعارات، شبعنا منه وآن لنا أن ننصرف للعمل!

E-mail: qubailat@yahoo.com 

 

التعليق