سياسات أميركية مجهولة

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

يبدو ان الاصرار الاميركي على فرض سياسات التغيير على العالم العربي لا يكتب له أي اقرار، يدين له بفضل اي اصلاح قد يتحقق من خلاله. ومثل هذا النكران للجميل الذي ندعيه، يصيب العقل الاميركي بالدهشة احيانا، كما يزيد من درجات التساؤل عن اسباب العداء الفطري الذي يعبر عنه الشارع العربي، رغم الايجابيات العديدة التي تعد الشارع العربي بها.

والمنطق الاميركي المعاصر مصاب بأزمات عدة، رغم تفوقه التقني والاقتصادي، وفي معظم حقول المعرفة. فرغم تفوقه الظاهر، إلا انه مشتت على موجات سياسية عدة، لم يعد بإمكانه السيطرة عليها والتحكم بنتائجها. وقد سعت الادارة الاميركية عقب احداث الحادي عشر من ايلول إلى البحث عن الاسباب التي تحمل المواطن العربي على مناوئتها، رغم كل ما تأتي به من ايجابيات، كانت تحلم بها شعوب المنطقة لعقود طويلة. كما سعت ان تتلمس المواطن الرئيسية في علاقات الدولة والحكم في العالم العربي، ومساهمة تلك العلاقة في تنمية مشاعر العداء الفطري ضدها، فأخذت تنسج منطقا يعيد إلى الشارع العربي بعضا من اعتباره المفقود، على امل ان يحمل ذلك وعيا مغايرا عما كان سائدا ضدها عبر العقود الماضية. 

لكن ما تتمناه الولايات المتحدة من انطباعات وتأثيرات تجاه الشارع العربي إزاء سياساتها لا يبدو انه قادر على تغيير حالات العداء الواسعة ضدها، مهما تمكنت قوتها العسكرية من خلق واقع جديد، يمنح شعوب المنطقة بعضا من حريتها. والادارة الاميركية اليوم تضع نصب أعينها "محاربة الارهاب"، كهدف رئيس تقنع العالم انه سبب حملتها على المنطقة. وتدفع بجيوشها واساطليها عبر المحيطات، للبحث عنه في اقبية وحارات وأزقة إحدى ضواحي عاصمة من العواصم العربية.

ثمة مفارقة بلا شك، تضع المنطق الاميركي السائد على محك خطير، يزيد من سوء الحالة السياسية التي تعاني منها الادارة الاميركية امام الرأي العام العالمي، ويقضي على فرص تمكنها من اقناع الشارع العربي بحسن نواياها تجاهه، حتى وإن صدقت في اي من محاولاتها الاصلاحية هذه. وما نشهده اليوم في العراق خير دليل على حالات التناقض الجذري بين رغبة اميركية في خلق نظام ديمقراطي وبين تصعيد مطرد في حجم العمليات العسكرية ضد قواتها. صحيح ان ما تصوره اجهزة الاعلام الرسمي يبعث على الاعتقاد ان الجماعات المقاتلة ضد الوجود الاميركي، هي من بقايا حزب البعث واجهزته العسكرية، لكن ما يفوت هذا المنطق الاعلامي تبريره هو مصلحة تلك الجماعات في الاصرار على مقاتلة الوجود الاميركي، رغم ان معظم قياداته السياسية باتت قيد الاعتقال، وبحكم المنتهية. صحيح ان هناك بقايا خلايا بعثية منتشرة في العراق، لكن لا يعقل ان باستطاعة تلك الخلايا استقطاب المزيد من المتطوعين للمقاتلة الى جانبها، في وقت فقد حزب البعث كل أمل له في العودة الى عراقه الماضي، او الى أي جزء من ذلك. وتنكر الولايات المتحدة، أيضا، حقيقة اشد ايلاما، وهي ان مناوءة الشارع لسياستها ليس موقوفا على ما تشهده الساحة العراقية وحسب من عمليات ميدانية ضدها، وأن هامش التأييد الذي تعبر عنه بعض الفئات السياسية للولايات المتحدة لن يكتب له البقاء، بما يتجاوز قدرة تلك الفئات على السيطرة على مؤسسات الحكم، والذي لا يستبعد معه ان ينقلب عليها في اول فرصة تسنح له ذلك.

وتتصاعد اليوم حدة التناقضات في منطق السياسة الاميركية، مع شروعها في تمهيد الساحة الدولية والمحلية ضد الجوار العربي للعراق، في معركة لا يستبعد معها جر دول عربية اخرى اليها. وقد لا تتمكن الولايات المتحدة اليوم من اقناع اي من شعوب المنطقة بحسن نواياها في تلك المعركة او في غيرها، لكنها عازمة، رغم ذلك، على قلب معادلات الحكم في تلك الدول، بأمل البحث عن مخارج سياسية جديدة، يصعب التكهن بنتائجها، إلا بعد تحقيق ذلك!

التعليق