إشكالية الزمن والديموغرافيا

تم نشره في الأحد 1 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

استندت الإستراتيجية الإسرائيلية منذ بداية تشكل الدولة إلى أن عامل الزمن سيكون في صالح إسرائيل في صراعها مع العرب. ولهذا السبب فقد رفضت إسرائيل "بن غوريون" كل الجهود التي بذلت من أجل السلام، ابتداء بمؤتمر لوزان الى عرض الرئيس السوري، آنذاك، حسني الزعيم، وتوجت هذا الرفض بعدوانها على مصر في عام 1956. وقد فرض صقور مباي أنذاك فكرتهم بأن الردع هو الوسيلة المثلى للتعامل مع العرب، وأن الزمن سيكون لصالح إسرائيل.

وفي المقابل، كان الاعتقاد السائد لدى العرب بأن الوقت سيكون لصالحهم في صراعهم مع اسرائيل. وأكثر من ذلك فقد ساد وهم ايديولوجي بأن إسرائيل انما وجدت لتزول لا لتبقى. ولذلك، لم يتعامل العرب مع إسرائيل بجدية، وانشغلوا في حربهم الباردة التي وضعت اسرائيل نهاية لها، عندما ألحقت هزيمة قاسية بالجيوش العربية عام 1967. بعد ذلك أدرك الكثير من العرب أن الوقت ليس بالضرورة لصالحهم، خصوصا بعد أن كشرت إسرائيل عن أنيابها الإستيطانية.

نسوق ذلك فيما نتابع بعض الكتابات في الصحف العربية، التي ترفض التعاطي وإيجاد حل مع إسرائيل (طبعا لا يعني ذلك أن إسرائيل تنتظر على أحر من الجمر مبادرة سلام عربية)، وذلك لأن الزمن هو لصالح العرب. وحتى إدوارد سعيد تبنى هذا النهج في آخر سنوات حياته، عندما فضّل دولة واحدة على حل قائم على دولتين. وغالبا ما توظّف المقولة الديموغرافية، والتي مفادها أن العرب الفلسطينيين سيشكلون أغلبية في البقعة الممتدة بين المتوسط ونهر الأردن، وبالتالي فلا ضير أن ينتظر الفلسطينيون عقدين من الزمن لكي يصبحوا أغلبية كبيرة، تسيطر بعد ذلك على مقاليد الحكم. ومع صحة هذه الاسقاطات الديموغرافية، الا ان النتيجة المترتبة عليها تقع في سياق التحليل الرغائبي (Wishful Thinking)، ولن تسمح اسرائيل، حتى لو كانت تحت قيادة يوسي بيلين، أن يحدث ذلك.

هناك مدرستان في اسرائيل. يمثل المدرسة الأولى القوى السياسية الرافضة للسلام والقوى الاستيطانية. وتدعي هذه المدرسة أن الوقت يسمح لاسرائيل بالتوسع وخلق حقائق على أرض الواقع، بما يؤدي الى تليين العرب، الذين عادة ما يقدمون تنازلات، إضافة إلى إضعاف اليسار الإسرائيلي. كذلك، فإن حل المشكلة الديموغرافية هو بالانفصال واستقدام مهاجرين جدد، وبالترانسفير، أو مزيجا من الثلاثة.

أما المدرسة الثانية فهي المدرسة الديموغرافية، التي تؤكد على أن المصلحة الاسرائيلية التاريخية والاستراتيجية تتطلب أن تقبل اسرائيل بحل دولتين، والانسحاب الى حدود 1967 مع تغيرات طفيفة. ورغم ذلك، فإن هذه القوى لا تؤمن بأن للفلسطينيين حق تقرير المصير والاستقلال، وانما تعتقد ان اقامة دولة فلسطينية يخدم المشروع الصهيوني.

بالمقابل يوجد تياران في العالم العربي للتعامل مع عامل الوقت. الاول، يعتقد أن الوقت لصالح العرب، وبالتالي ما علينا سوى الانتظار لتحقيق اغلبية في فلسطين التاريخية، وبعدها يمكن ضغط اسرائيل، او تصفيتها كما يحلو للبعض. أما التيار الثاني فيعتقد ان الوقت ليس في صالح العرب، وبالتالي فان الحل مع اسرائيل يعني انقاذ الارض والشعب، وان اسرائيل ستحل مشكلتها الديموغرافية في المستقبل بالترانسفير.

الاردن الرسمي ينتمي الى التيار الثاني، الذي يعتقد ان الاردن سيدفع ثمنا باهظا لضياع الوقت، وان إسرائيل قد تستغل الاردن للتخلص من مشاكلها الديموغرافية.

يلف النقاش في العالم العربي البعد الأيديولوجي، الا أن تجربة الصراع مع إسرئيل في العقود الستة الماضية تدل على أن سقف المطالب العربية ينخفض مع الزمن!.

التعليق