د.باسم الطويسي

من العزلة الاستراتيجية إلى الفوضى البناءة

تم نشره في الأحد 1 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

تلقف المحللون السياسيون العرب خلال الأسابيع الماضية آراء روبرت ساتلوف، مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، حول تقييم سياسة "اللااستقرار البناء" الأميركية في الشرق الأوسط على طريقة الاستعادة المبتورة من السياق السياسي والتاريخي او المجتمعي، مما يؤكد من جديد ضرورة ابتعاد النخب العربية عن القراءة اليومية للأحداث، والتفسير الآني المرتبط بها. فقد آن الوقت لتقريب ما يحدث إلى وعي الناس والشارع العربي، عبر تقديم قراءات عاقلة وواقعية، تتعاطى مع المصالح الحقيقية وتتعامل من منطلقها مع الأحداث، وإلا سيكون الشارع العربي هو أداة اللااستقرار واللابناء أيضا. ولن يكفي النخب المثقفة حينها وعي الأبراج العاجية الذي تقبع فيه الآن.

صحيح أن سرعة الأحداث وتعقيداتها تفوق القدرة على استشراف مساراتها بشكل دقيق، ومع هذا فلا يعقل أن نكتشف حالة الفوضى واللااستقرار التي تقاد إليها اليوم المنطقة فجأة. يجب أن يعترف المثقفون وقادة الرأي العرب أن ثمة حلقة ضائعة ومفقودة في أحجية الإصلاح من الداخل، تتعلق بالمسافة بين الأنظمة والشعوب, وهي الفجوة التي تريد الولايات المتحدة اليوم أن تملأها بحالة اللااستقرار والفوضى، ببساطة لان النخب والمجتمعات والشعوب عجزت جميعاً عن الاتفاق على الحد الأدنى من القيم الكبرى.

تعود الخلفية النظرية لاستراتيجية اللااستقرار البناء إلى محاولة ترتيب أفكار ومعتقدات المحافظين الجدد وآبائهم الفكريين، وعلى رأسهم "ليو شتراوس"، المدافع عن الفلسفة الكلاسيكية ومنطلقاتها الأخلاقية، والداعي إلى الدفاع عن مصالحها بالقوة، مع أفكار أخرى لعل أهمها مقولة فجوة الاستقرار عند صمويل هنتنجتون في معالجته للتنمية السياسية، فهذه الفجوة تولد إحباطا ونقمة في أوساط المجتمع مما يعمل على زعزعة الاستقرار السياسي. فالإحباط الاجتماعي يولد المزيد من اللااستقرار إذ ما انعدمت الحرية الاجتماعية والاقتصادية، وافتقدت مؤسسات النظام القدرة والقابلية على التكييف الإيجابي.

والإحباط ومشاعر الاحتقان، التي تزيد هذه الفجوة، يتمخض عنها مطالب غير سهلة، واحيانا غير متوقعة تفرض على مؤسسات النظام، الأمر الذي يتطلب من هذه الاخيرة توسيع المشاركة السياسية من اجل تلبية واستيعاب هذه المطالب. أما إذا كانت هذه المؤسسات ضعيفة وغير متماسكة فانه سيكون من الصعب الاستجابة لهذه المطالب. بكلمات أخرى، كان هنتنجتون يريد أن يصل الى أن التحديث السياسي، او باللغة السائدة اليوم الإصلاح السياسي، يرتبط بالاستقرار, ولكن هذه الحالة قابلة للانقياد إما نحو التكيف الإيجابي او تململ البنية السياسية بأكملها واستبدال أخرى بها.

بالمناسبة، فإن هذا الكلام أورده هنتنجتون في عام 1968 ومع بدايات السبعينات، في ذروة انتعاش نظريات التنمية السياسية في الغرب، وتأتي المداخلة الأميركية الإجرائية اليوم لاستثمار حالة التوق الشعبي والرغبة العارمة لدى المجتمعات العربية للتغيير والإصلاح المجتمعي والسياسي، لكن هدف هذه المداخلة هو دفع تلك المجتمعات نحو طريق مسدودة في معظم الحالات وليس في كلها حتى نكون اكثر دقة؛ فهي تعلم تماما عجز معظم الأنظمة العربية عن القدرة الإيجابية على التكيف وتلبية المطالب الجديدة، مما يعني أن فجوة الاستقرار تصبح هوة واسعة لا يمكن ردمها بين الأنظمة والشعوب, مما يفتح الطريق من جديد أمام تغيير بنية النظام بأكملها، أي الدخول في بناء وظائف جديدة لنظام جديد.

لقد حافظت المنطقة على صيغة "الجغرافيا القلقة" التي تقترب أحيانا من الاستقرار الهش طوال عقود الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتحولت الى صيغة "الجغرافيا المستهدفة" منذ مطلع التسعينات. ومنذ نهاية ذلك العقد بدأت تلوح مؤشرات فرض عزلة استراتيجية محكمة على هذه المنطقة، من خلال تأكيد تفرد الولايات المتحدة، ورفض أي فاعل سياسي او استراتيجي لا يخضع لكامل حالة الانضباط خلفها. وهكذا، بدأت عملية نقل إعادة صياغة العالم القديم من الخرائط والملفات الى أرض الواقع. ويقودنا هذا الى أن سياسة "اللااستقرار البناء" هي أداة اكثر منها حالة، كما أنها تأتي بعد أن أكملت القوة العظمى الجانب المهم من فرض العزلة الاستراتيجية، وها هي تفرض الانضباط الدولي خلفها كما يحدث في لبنان حاليا.

مصادر اللااستقرار البناء في الشرق الأوسط حسب روبرت ساتلوف تقاس على مسطرة المصالح الأمريكية، وسيكون للشارع العربي الدور الحاسم فيها، وهو سلاح ذو حدين. ففي الحالة السورية تزدهر استراتيجية التعامل اليومي مع اللااستقرار، بانتظار أفعال تمرد مفاجئة بعد كل ما نال النظام مع بدء عمليات الانسحاب الدراماتيكي لقواته من لبنان، وما يرافقه حاليا من عودة آلاف العمال السوريين الى شوارع المدن السورية. أما في الحالة المصرية، فيبدو ان الشارع المصري الذي أهمل طوال عقود عديدة، اتسمت بالدعم المؤسسي المنظم لسياسات الولايات المتحدة، يعود اليوم الى دائرة الأحداث، وثمة حركة دائبة تضم شبكة معقدة من النشطاء العلمانيين والإسلاميين تطالب بتغييرات بنيوية في النظام.

والأمر يتكرر في البحرين وغيرها من الدول العربية. والرئيس بوش يدعو بشكل علني المواطنين "الشرق اوسطين" الى النزول الى الشوارع للمطالبة بالحرية! هكذا يبدو ان الشارع  العربي سيكون صاحب كلمة الفصل في الكثير من التحولات القادمة، لكن كيف وبأي محركات وبأي ثمن؟ هذا ما ستجيب عن جانب هام منه سياسات للااستقرار الجاري تنفيذها اليوم.

وعلى كل الأحوال، ثمة أثمان غالية سوف تدفع نتيجة الفوضى المخطط لها, والتي ستعم المنطقة قريبا, وهي في الحقيقة الثمن المنطقي لحالة التأجيل التاريخي الذي مر به مشروع الإصلاح والتغيير العربي. ببساطة ووضوح، ثمة حروب من نوع آخر تلوح في الأفق على طريقة " تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ".

التعليق