إبراهيم غرايبة

من الإسلام السياسي إلى الإسلام

تم نشره في الأحد 24 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

يبدو المشهد القادم للعالم الإسلامي خاليا من الحركات والجماعات الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة، فقد استنفدت الأولى أغراضها ولم تعد قادرة على استيعاب التحولات الإسلامية والمجتمعية، والمتطرفة أيضا ستتعرض لملاحقة وتصفية دون رحمة بل ستكون مطاردتها وتصفيتها بالنسبة للولايات المتحدة وللأنظمة السياسية كلها مثل رحلة صيد ممتعة.

وقد استدرجت المجموعتان من الحركات الإسلامية إلى رد فعل على أزمة أرادتا الخروج منها وانتهت إلى أزمة خلقتاها بوجودهما وعجزهما عن تحقيق الحسم.

ولكن الإسلام سيبقى حاضرا يصوغ المجتمعات ويسهم في تشكيل مستقبلها، فالدين كان باستمرار كما يلاحظ حسن حنفي في كتابه (الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة) وسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي وحركة اجتماعية تعبر عن قوى اجتماعية مضطهدة أو مهمشة في المجتمع ضد قوى التسلط والطغيان، وكان الدين أداة لتحرير الشعوب مثل تحرير اليهود من قبضة فرعون، وكان وسيلة لجمع القبائل وتأليفها كما في الجزيرة العربية.

ونشأ الإصلاح الديني بدافع سياسي تمثل في ضعف الخلافة العثمانية واحتلال أراضي الأمة وتجزئتها وتخلفها عن المدنية الحديثة، وكانت الحركة الوطنية في مصر منذ محمد عبده ومصطفى كامل مرتبطة بالإسلام، وفي المغرب العربي ارتبطت الحركة الوطنية بالإصلاح الديني، علال الفاسي مؤسس حزب الاستقلال في المغرب، ومالك بن نبي وابن باديس في الجزائر، والفاضل والطاهر بن عاشور والثعالبي في تونس، والسنوسيون وعمر المختار في ليبيا، وعبد الرحمن الكواكبي في سورية، والمهدية في السودان، والقسام والحسيني ثم حركة حماس والجهاد في فلسطين.

ويلاحظ عبد الإله بلقزيز أن الإسلام يسجل حضورا متجددا في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية، ولم تعد السياسة تملك أن تعبر عن نفسها بمعزل عن الدين، ليس فقط بالنسبة للذين أتقنوا دائما الصلة بينهما كالإسلاميين، بل حتى بالنسبة للذين جربوا باستمرار تجاهل ورفض تلك العلاقة.

إن الإسلام ،بالتعريف، عقيدة وثقافة وحضارة، وأما الحركات الإسلامية فهي حركات سياسية دون زيادة أو نقص، وهذا لا يعني تجاهل إنجازات الحركة الإسلامية المعاصرة وتضحياتها، فقد بذلت وحققت الكثير في صون هوية الأمة، وتحرير الأرض من الاحتلال، ومواجهة الاضطهاد والتهميش ثم هي قوة سياسية رئيسية بين الشعوب العربية والإسلامية استعادت بعض توازنات علاقات الصراع الداخلي بين المجتمع والسلطة.

وأضافت الحركة الإسلامية للعمل القومي والسياسي والإصلاحي بعدا دينيا استنهض طاقات الأمة وعبأها، وكسرت احتكار الدين الذي كانت تمارسه السلطة السياسية لتجعله عملا شعبيا واسع النطاق، واستعادت الأمة هذا الكنز الروحي المصادر وأعادت حيويته الوظيفة الاجتماعية والتحررية للإسلام ليكون سلاح المستضعفين في مواجهة الطغيان والاستضعاف.

وبالطبع فإن اختفاء الحركات الإسلامية القائمة اليوم إن صح هذا التقدير لن يكون مفاجئا أو يتم مرة واحدة ولكن الجيل القادم سيعتبرها على الأغلب تراثا أو تجربة تاريخية كما ينظر جيلنا على سبيل المثال للحركات اليسارية والقومية وكما ينظر لرموزها وقادتها الباقين على قيد الحياة، ومن ثم فإن الحديث عن مستقبل الحركة الإسلامية يبقى وجيها وقائما ومطلوبا.

والواقع أنه مشهد يحرك حتى لدى أمثالي ممن لم يعد يحسب على الحركة الإسلامية خوفاً وفزعاً تغذيه مشاهد القيادات والفلول اليسارية والقومية والمنظماتية، وهي تتحول إلى ديناصورات تدعو إلى الشفقة والرثاء، أو إلى مشروعات بيزنس فجة اكتشفت مؤخراً أن في الدنيا خيرات كثيرة، أو بيوت خبرة تقدم تجاربها النضالية لخدمة الحكومات لتواجه المعارضة والحركات السياسية الجديدة. ثمة مؤشرات كثيرة على أن الظاهرة الإسلامية مرشحة للنمو والاستمرار، بل إنها تتحول إلى حركة مجتمعية وتيار عام لا تؤطره حركة سياسية منظمة، ولا تستوعبه مؤسسات أو جهات محددة، ففي الأردن على سبيل المثال أنشأ البنك العربي أكبر بنوك الأردن والوطن العربي بنكاً إسلامياً، وأنشئت قبل فترة قريبة الشركة الإسلامية للتأمين، والمدارس الإسلامية تحظى بإقبال كبير، وكذلك المؤسسات الصحية أو المؤسسات التطوعية والأنشطة العامة كمدارس تحفيظ القرآن، وبرامج رحلات العمرة..

وهي مؤشرات موجودة في معظم الدول العربية والإسلامية ربما بوضوح وقوة أكثر من الأردن. ولكن من المؤكد أيضاً أن الحركة الإسلامية تشهد تفاعلات داخلية ومراجعات شاملة حتى يكاد المرء يظن أن الحركة الإسلامية بعد عشر سنوات ستكون حركة أخرى مختلفة في المنهجية والبنى والهياكل والبرامج والمواقف، وكأنها ليست هي التي نعرفها اليوم. وهو أمر يبدو بوضوح في الأردن ومصر ولبنان وإيران وتركيا، والجزائر، والمغرب، ومعظم الأقطار.. والمراجعة الجارية في صفوف الحركة الإسلامية قد تقع في سياق الاستجابة للمراحل والتكيف مع متطلباتها واحتياجاتها، وتطور الفهم، ونضج الأداء، والحراك التنظيمي، وصراع الأجيال، وتداعيات التحولات الاجتماعية والحضارية التي تشمل كل شيء تقريباً، وقد لا يصلح لفهمها محاولة التفسير الفكري والعقائدي لسلوك الحركة الإسلامية الجديد وتطور مواقفها، ولا بذل الجهد الفائق في محاولة الإجابة على السؤال الشغل الشاغل.. تتقدم أم تتراجع؟ تنهار؟ تنقرض؟ وبالطبع فإنها أسئلة وافتراضات منطقية وتمتلك فرصة الحدوث. لكنه على الأغلب تراجع لصالح حركة إسلامية أخرى قد تكون بديلاً لما هو قائم أو أنها تطور طبيعي.. ربما يكون مؤلماً للحركة ويتضمن تضحيات وخسائر وبخاصة في صفوف القيادات والأجيال السابقة.

التحول الجديد في سلوك القيادة الإسلامية في إيران، وانشغال حزب الله في لبنان بالإصلاح الاجتماعي والانتخابات النيابية، والتحول البرامجي للحركة الإسلامية في الأردن من المطالب السياسية العامة والأممية إلى إصلاح وطني قائم على المشاركة السياسية والتنافس على السلطة وتداولها، وتشكيل حزب الوسط في مصر ووصفه كما ذكر أبو العلا ماضي لحازم صاغية في صحيفة الحياة بأنه مشروع وطني عريض كان قائماً في النقابات.. وأنه "حالة مصرية بحتة"، وانشغال الإسلاميين بالعمل النقابي والبلديات والاتحادات الطلابية والمهنية، كل ذلك وغيره يؤشر على مراجعة شاملة تجري في الحركة الإسلامية ربما لم تتضح بعد ولم تستقر على حالة معينة، لكنها بالتأكيد تتم بسرعة ووضوح.

والمشهد السياسي العالمي والاقليمي يعاد فهمه أيضاً لتحديد إمكانية قيام ديمقراطية حقيقية في الوطن العربي والإسلامي تحتمل بالفعل وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة، وتتضمن أيضاً فرص المشاركة العامة وتداول السلطة والتنافس عليها سلمياً، وفرص الحوار مع الغرب وتحقيق فهم متبادل بين الطرفين، والأهم من ذلك شروط ومستوى الاستقلال والتنمية في الدول العربية والإسلامية ومن ثم الإجابة عن التساؤل الملح عن أهمية الوصول إلى السلطة أو المشاركة السياسية وحجم الخسائر الناتجة عن ذلك. الجيل الجديد في المجتمعات والحركات الإسلامية يراجع اليوم البرامج والمواقف والتاريخ.. وكل شيء، ويحاول الخروج من جيتو التنظيم إلى شوارع الأوطان وحاراتها، ومن هموم الجماعة ومصالحها إلى حالة الأمة والشعوب، ومن رومانسية الشعارات إلى قسوة البرامج والتفصيلات، ومن مطلقية الصواب في الأفكار والمبادئ وبلاهة المعارضة والمواقف إلى حيرة السؤال والبحث والاختيارات المرهقة المملة، لكنها في نظر هذا الجيل أفضل وأجدى من الثقة المريبة التي وضعنا فيها من لا يؤمن بها. والأدبيات الإسلامية الجديدة تقدم خطاباً جديداً أيضاً يدل على إدراك معقول لتحولات المرحلة وما يمكن تحقيقه وما يجب تحقيقه، وفهم لخريطة الواقع وموقع الحركات والمجتمعات والآخرين فيه.

ثمة تفكير جديد وتصورات ورؤى مفادها ضرورة التحول إلى الإصلاح والتنمية، والعمل الوطني العام، والاشتغال بحقوق الإنسان، ومكافحة الفساد، والانحياز إلى الطبقات الوسطى والمحرومة التي تضررت كثيراً بسبب السياسات الحكومية وإعادة تنظيمها من جديد في جمعيات ومؤسسات تستهدف تلبية حقوقها العامة واحتياجاتها الأساسية كالعمل والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي، والاهتمام بالقضايا العامة كالبيئة، والتصحر، المخدرات، والغابات، والتنسيق في ذلك مع الجهات الرسمية الدولية، والعمل على تفعيل جميع فئات المجتمع ومؤسساته والتنسيق معها لتؤدي دورها المطلوب في الإصلاح والتنمية، وتفعيل المجتمع المدني ومؤسساته.

التعليق